أخيرا، حصل على الوظيفة التي كان يحلم بها، خرج من غرفة مدير الشركة يحمل خطوطه المتعرجة على الورقة البيضاء التي حرص على أن لا يطويها، وكانها خربشات طفل تعلم لتوه مسكة القلم. كادت رجلاه أن تتعثرا، أحس انه لا يسيطر على حركة جسده، يداه ترتعش من شدة فرحته، قطرات دمع نزلت على وجنتيه، و ما أن أصبح خارج مكتب المدير، انشغل تفكيره بعيدا، رأى صورا كثيرة، رأى أصدقائه و أقاربه يجتمعون حوله، يستجدوا عطفه، و معاونته ليجد لهم فرصة في عمل.
مرت الأيام، والسنون، و في نهاية كل شهر يتوجه نحو غرفة الحسابات فيستلم راتبه الذي كان لا يسد حاجاته، ولا يساوي مقدار الجهد الذي يبذله، وجد أن شهادته التي يحملها تستحق مردودا أكبر.
مرضت أمه، كان لابد له من أن يكون معها، ذهب إلى مدير الشركة يحمل طلبا لاجازة تمكنه من أن يكون قربها، يأخذها إلى مستشفى متخصص، دخل غرفة المدير فوجده في أعلى حالات الهندام، كان و كٱنه يشترك في عرض لأزياء الرجال، و كانت غرفته مكيفة بطريقة تشعرك أنك انتقلت من عالم إلى آخر، أحس بدونيته و هو ينظر إلى ملابسه و حذائه الملطخة بالدهون، رفض المدير منحه الاجازة، و وبخه على تركه لعمله، طالبهُ أن يكون هذا العمل هو أول أولوياته، أن لا يشغله شيء عنه.
ماتت امه و هو بعيد عنها، كانت غصة كبيرة في نفسه، كان يتمنى فقط لو انه قام بواجبه نحوها قبل موتها.
مرّ عمره سريعا، وجد نفسه على حافة العمر، اُحيل على التقاعد من دون أن يلوي على شيء، ذهب إلى بيته حزينا، و ما أن دخل في البيت، توقف أمام المرآة الطويلة المثبتة على حائط المدخل، نظر إلى صورته المنعكسة على وجه المرآة، وجد نفسه عجوزا بوجه متجعد و شعر اشعث، تلمس لحيته الكثة و هو يقول : ( كيف وصل بي الحال هكذا… كيف أنني لم أجد الوقت لاشذب لحيتي هذه).
- الحصاد المر
- التعليقات
