الهدوء يلقي بظلاله الوارفة على السهل الأخضر المنبسط ، الشمس بدأت ترسل أشعتها الذهبية الدافئة ، الحركة تسري في أرجاء القرية معلنة ميلاد يوم جديد ، الكائنات تنفض عن جفونها آثار الكرى ، سرب من طيور بيضاء يخترق زرقة السماء ، شياه مكتنزة تقضم الحشائش المبللة بقطرات الندى ، والراعي ينفخ نايه الذي تنساب منه أنغام حالمة ، في غمرة هذا السلام ، أثار انتباهه دخان كثيف يعانق عنان السماء يتعالى من التل الترابي وسط الغابة ، ألقى عصاه ، ترك أغنامه يحرسها السلوقي ، ركض ، تسلل بين الأشجار السامقة الكثيفة ، اجتاز السواقي و الغدران المغمورة بالمياه و الأوحال ، عندما وصل تملكته الدهشة و الرهبة ، كان يلهث بشدة من فرط التعب ، هناك رأى حطام طائرة تلتهمها النيران ، و أشلاء متفحمة و شظايا متناثرة في كل مكان .
حدث نفسه و قد التمعت عيناه و اتسعت حدقتاه :
” إنها فرصة ذهبية لكي أصبح ثريا ، و أتخلص نهائيا من حياة البؤس و الشقاء ، علي أن أجمع كل ما هو غال و نفيس …”.
توغل في الغابة ، و اختفى مدة ، ثم ظهر و قد اسود وجهه و تلطخت ملابسه ، يحمل كيسين ناءت بهما يداه ، تقدم متوجها صوب المرعى . فجأة ، سمع صوتا أجش زاجرا من خلفه :
” توقف أيها السارق السافل ، و إلا أطلقنا عليك النار، لو خطوت خطوة واحدة لأجهزنا عليك .” .
ارتعدت فرائصه ، تسمر في مكانه ، مال بوجهه يستطلع مصدر الأمر الجاف . إنه أحد رجال الدرك المكلفين بحماية ممتلكات الضحايا و مراقبة المكان .
أحس الشاب بفداحة الورطة التي وقع فيها ، أصيب بالدوار و كاد يسقط . بعد تفكير سريع اهتدى إلى طوق النجاة ، تحرر من الارتباك و الخوف ثم قال و قد امتلأت نفسه ثقة :
” حمدا لله على سلامتي ، لقد نجوت من الفاجعة ، و هذه أمتعتي أحملها معي ، قد أكون الوحيد على قيد الحياة “.
أحاط به رجال السلطة ، طوقوه من كل جانب للحيلولة دون فراره ، أمسكوه و صفدوا يديه ، ثم أفرغوا محتوى الكيسين ، يا للهول ! صندوقان .. أجل .. الصندوقان الأسودان !
اقتادوه نحو السيارة الجاثمة بالجوار ، دون أن يعيروا اهتماما لتوسلاته الدامعة :
” لست مجرما ، إنما أنا راعي غنم مغفل ، سولت لي نفسي اللئيمة السطو على الغنيمة ، ليتني كنت أعمى .. ليتني كنت أعمى .. “