يموت أبي صاحب الكرامات والطريقة، يترك لي ميراثا ثقيلا، حمل ينوء به عقلي وقلبي.
تطيح كلمات أمي بما تبقى لي من مقاومة ، المشيخة يا ولدي ، من يحمل اسم أبيك سواك؟
تعلم أمي أنني راغب عن هذا الطريق ، اخترت لنفسي خطا أسير عليه ، لسوء حظي أنه لا يتلاقى مع رغبات أبي وأمي ، ترسل أخي الأكبر يوميا لي حيث أهرب منها لعالمي الخاص ، مرسمي الذي أسسته في بيتنا الريفي.
نضطر لتبادل النقاش الحاد أحيانا ، لا تعترف بفني ، ربما بكلمة فن نفسها ، تنظر لي نظر المغشي عليه من الموت ، ينخلع قلبي ، يلين ، يقبل القيام بالدور .
يقفز عقلي بسؤال : لماذا أنا وليس أحد إخوتي الكبار ، أو حتى أزواج أخواتي البنات ؟
ترد بوهن ظاهر ، النصيب يا ولدي ، ولعله الطريق ناداك ولابد أن تلبي ، هي وصية أبيك أيضا .
ولماذا يوصي أبي بذلك ؟ لماذا لم يخبرني قبل موته ؟
ـ كان يرى فيك خليفته ، برغم أنك آخر العنقود فقد كان يرى فيك رجلا مكتملا ، حتى وأنت بسن المراهقة.
ـ نعم أعرف كل ذلك ، قاطعتها بحدة ، أكملت على نفس الموال :
لكن هذه الفكرة لم تريحني يوما ، لم أرى في نفسي إلا طائرا محلقا في سماوات غير سماوات أبي، والتي كان يغيب عن الوعي حينما يطيل النظر إليها .
ـ سلم أمرك لله يا ولدي .
ـ لله الأمر من قبل ومن بعد .
الحصان مجهز بسرج جديد ، اللجام الحديدي يعكس بريقه وهج الشمس بأحد أيام أغسطس ، ما علي إلا إرتداء جبته وعباءته .
لا تنس تغطية رأسك بالشال الأبيض ، وأخيرا أسدلت فوق كل ذلك شال حريري أخضر مزركش .
من أين أتيت بهذا ؟
تجيب أمي : لم ينس أبيك أي من التفاصيل الشخصية لخليفته المنتظر ، حضر كل شيء قبل موته بعدة أشهر .
هل تعلم أنه تنبأ بموته في هذه الأثناء .
كان يضحك حينما أخبرني أنك ستكون مثل البدر في هذه الملابس ، ويزداد وجهه نورا حينما يقول أنه أتم رسالة والده ، وليس لديه ما يفعله ، فليذهب لمن يحب قبل أن يزهده الناس .
أقلقتني كلمات أمي ، رمت بي في منتصف المعمعة دون استعداد ، بل دون رغبة من الأساس .
سألت نفسي : ماذا أنت فاعل يا أبو الكرامات ؟
لم أجد إجابة مقنعة ، أخذتني سنة من النوم ، رأيت أبي في حلة جديدة ، يا الله فهي تطابق ما أرتدي من ملابس الآن .
سألت أبي ماذا أفعل ؟ جائني جوابه مبهما :
– يا ولدي أفعل الخير وارمه في البحر ، صفي نيتك وعلق قلبك على باب الرحمن ، أعلم أن الدنيا صغيرة جدا والحياة قصيرة جدا ، ولا تؤجل عمل اليوم إلى الغد ..
تخيلت وكأن أبي يقرأ النصائح المكتوبة خلف كراساتي بالمرحلة الابتدائية ، ضحكت من نفسي ومن أبي ومن أحلامي ، تناسيت مثالب التجربة ، دخلت بالمهمة بسرعة .
المهرة أصبح اسمها الفرسة ، أمعانا في صنع خصوصية زائفة للخليفة الجديد ، يهمس بها صديقي حينما انحنى ليقبل يدي ، تماما كما كان يفعل مع أبي ، ينظر بتحد في عيني ، كان أبي يتمتم بكلمات لا أعرفها ويمسح بيديه على شعر صاحبي ليباركه ، تنبعث السعادة من عيون كل من يحظى بهذه اللمسات الحانية من يدي أبي .
من أين وكيف يكون لي هذا التأثير على المريدين ؟
لم أهضم فكرة وجود كرامات لي مثل أبي ، فلم أكن مصليا صائما قائما مثله ، ولم يكن لي نفس الطمأنينة التي تنبعث من نظراته الرقيقة للجميع ، تسائلت هل يتوسمون في كل فضائل أبي ؟ برغم أنني أعلم ما بي من نقائص تبعدني بمليون ميل عن جمال شخصية أبي .
تزيدني ثقة أمي بي اضطرابا ، أشعر بكثير من التناقض بين ما أفعل وما اعتقد من البداية ، يؤلمني ثناء البعض علي ، يذكرون فقط شبهي بأبي ، كرهت وجهي الذي علي ان أغير قناعاتي لأتوائم مع وجه أبي الذي تلبسني .
توقفت أيامي فجأة عند وفاة امي ، تسعة أشهر لم أدر كيف فت بها أو مرت بي ، ما زالت وصيتها تسكن في أذني ، لكن إحساسي بأنني نبتة غريبة في تربة ترفضها سيطرت على كياني .
عدت مرة أخرى لفكرة الهجرة التي نسيتها ، مر زمن بين وقت تقديم الطلب والرد عليه من قبل القنصلية ، جائتني مكالمة هاتفية قلبت موازين عقلي وقلبي : أنت مدعو لمقابلة السفير غدا في العاشرة صباحا .
لأول مرة تضطرب مشاعري ، رغم كم الرفض الذي أعانيه والتضاد الذي أفقدني الحاسة الفنية ، لكن فكرة الهجرة أحدثت شرخا في منظومة المشاعر لدي .
أحبها وأكرهها بنفس الوقت ، كيف أهاجر وجذوري ضاربة في عمقها ، اكتشفت أن كل لوحاتي مصنوعة من طينها ، رغم أنني لم أرسم إلا أشخاصا يعانون فقط ، تنبض وجوههم بكل مشاعر سلبية عانيتها من مولدي حتى الآن .
جاءت المقابلة الشخصية مفاجأة لي ، حياني السفير الشاب ، كان سؤاله مباشرا أكثر مما توقعت :
– لماذا تريد الهجرة بعدما حققت كل هذه الشهرة ولديك كل هؤلاء المريدين ؟
المفاجأة مزدودجة ، فمن أين له معرفة معنى كلمة مريدين ، ومن الناحية الأخرى ما علاقة مريدي برغبتي في السفر ؟
جاءت إجابتي بلا قيمة تقريبا ، كانت نظرته لي تشي بعد قناعته بما قلت ، تمادى بالحديث فتجاوز ساعة متواصلة ، وأخيرا قال جملته التي أذهلتني ، بل أجبرتني على المغادرة دون النظر خلفي :
– نحن لسنا بحاجة لفنانين مهاجرين ، لكن بلدك ومريديك ما زالوا يحتاجون حكمتك وبركاتك وكراماتك .
- الخليفة
- التعليقات
