على حافة اللوحة، حيث يمتزج قتام السماء بزبد البحر، وقف “الرجل الضائع”. لم يهم اسمه؛ فملامحه، الممحوة بضربات الفرشاة الثقيلة، ابتلعت هويته. شد سترته السوداء حوله، لكنها لم تمنحه دفئًا؛ التصقت به كعبء. رفع قبعته البالية، فلم تحجب سوى رمال القدر المتناثرة، دون حماية.
الأفق الكئيب، مرآة مشوهة لصورته، عكس انعكاسًا متآكلًا. أمواج اللامبالاة لطمت روحه، مخلفةً حطام أحلامٍ لم تبحر قط. ظنّ يومًا أن الفن سيكشف، أن الألوان ستتحدث، لكنها صمتت.
مع كل ضربة فرشاة، شعر بلحظة من حياته تتلاشى. لم يكن هذا رسمًا، بل تآمرًا بين الظلال والفراغ. التفت باحثًا عن وجهه في مرآة اللوحة، فارتجف. وجدها خاوية؛ فراغٌ حيث كان وجهه.
قشعريرة باردة، ليست من البحر، انتابته. أرخى يديه. أدرك فجأة: لم يكن الرسام، بل ضربة فرشاة. ضربة عابرة على قماش لا نهائي. تلك اللحظة، سمع صرير قلمٍ خافت على ورق. التفت، ليجد نفسه أمام… ورقة بيضاء شاسعة.
كانت اللوحة التي يقف فيها رسمًا صغيرًا على حافة تلك الصفحة الضخمة، يُكتب عليها قصة أخرى. قصة لا تعنيه، ولا صورته الباهتة. اختفت قبعته وسترته ووجهه. لم يبقَ سوى الفراغ المطلق. كان مجرد نقطة حبر جفت.