تصلني بعد منتصف الليل .. عندما يبدأ مؤشر النعاس بالتصاعد .. تأتي أحيانا قبل أو بعد ذلك بقليل .. غير مفهومه .. لا تعني شيئا .. تحمل الكثير من الدلالات ! تختلف عما يكتب من شعر , نثر , طلاسم .. يعجز شعراء , فلاسفة , دجالون عن فهمها .. فك رموزها .. بسيطة صعبة .. لا يفهمها إلا من مر بمثلها
جعلتني أؤمن آن قدرة الكتابة على التوصيل لا تأتي من خلال القيمة الأدبية والعلمية التي فيها , بل من خلال صدق وأمانة كاتبها .. حاجته لكتابتها .. مهما كانت تلك الحاجة .. يبدوا أن العلاقة بين هذه المفاهيم الثلاثة والقدرة على التوصيل علاقة طرديه …
أنتظرها بوله شديد لعلي أنام .. تصلني فلا أنام .. أحيانا تصل فارغة من أي شيء .. فيها الشيء الكثير ! ابلغ مما لو أتت وفيها تلك الرموز الغير مفهومه .. طريقة جديدة للتفاهم .. أبدع من طريقة تفاهم جدتي مع جليساتها ..
يتحدثن في موضوع ما .. أثناء ذلك تطلق إحدى المتحدثات عبارة مبهمة .. في موضوع آخر تماما .. يفهمنها .. يجبنها بعبارات مشابهه .. لا أفهم شيئا من ذلك الحديث الذي يبدو انه شيق .
أجلس تحت عباءتها .. أنظر في عيونهن الخافتة .. نار مطفأة في موقد .. وجوههن المجعدة … ورقه نقدية بيد طفل صغير ..
يتكلم الصمت أحيانا وقد يكون أبلغ من الكلام .. لكن أن يعني الفراغ كل هذه المعاني .. هذا ما لم اعرفه من قبل .. اعرف من يرسلها جيدا .. اعرف أن ما يضعه فيها بشكل عشوائي .. منتهى الصدق والأمانة
ما يشغلني ليس ما في تلك الرسائل من رموز وحروف .. تشغلني عشوائيتها .. هل هي الصدفة ؟ أم ماذا ؟ .. إن كانت الصدفة لماذا جاءت بهذا الشكل ولم تأتي بشكل آخر ؟
_ جججججج .. ددددددد …
_ لماذا لم تأتي قققققق آو طططط ..
عشوائيته في كتابتها يمكن أن تجعلها بهذا الشكل وبنفس الدرجة من الاحتمالات .. لماذا تأتي فارغة في بعض الليالي ؟
لا أحار بفهمها وبما تعنيه .. شكلها لا جوهرها يحيرني .. أحزنتني وأبكتني كثيرا .. أفرحتني وأضحكتني كثيرا .. بنفس المستوى من التفاعل الإنساني ..
هذا الكائن الصغير ببساطته وعدم قدرته على الاتصال بالموبايل أو الكتابة بشكل صحيح .. بعشوائيته في انتقاء ما يصلني منه … غير الكثير من قناعاتي .. ليس في استعادته فقط , من خلال إرجاع أمه للبيت , بل في نظرتي لما يُكتب ويُقرأ ..
عجز الأصدقاء والأقارب عن إقناعي .. باءت جميع محاولاتهم بالفشل .. عجزت مشاعري الفياضة التي تقودني في كثير من الأحيان , عن ذلك أيضا ً.. لا اتخذ قرارا بسهوله .. لا أتراجع عنه بسهوله .. لكنه ببساطه شديدة فعل ذلك ..
منذ ثلاث ليال لم يصلني حرف ولا فراغ .. ما أجمله من فراغ مملوء !!! ما أجمله من لا مفهوم مفهوم !!!
خيبت ظنه ؟ منع من ذلك ؟ ويحي ماذا يدور بداخله وما يقول عني الآن؟ وآ حيائي منه .. أحيانا يكبر الصغار من يكبرهم ويعلمون من يعلمهم .. لكن أن يعلمني كل هذا ويكبرني كل هذه المسافات الضوئية من السنين !!!! لم يخطر ببالي أبدا ..
الليلة أكملت علبة السجائر الثانية منتظرا .. لم يصلني منه شيء .. يغط في نوم عميق الآن , أعمق من انتظاري له ؟ لعله يرحمني بجرعة مهدئه من أفيونه العجيب , الذي أجبرني على تعاطيه ؟
_ أين عنه الفنانون التشكيليون ؟ ليروا هذه اللوحات الجميلة ..
يسهرون الليالي باقتناص موضوع .. رسم لوحه .. ينفقون الوقت والمال لذلك .. وهو يغط في نوم عميق .. يمكن آن يستيقظ في أي لحظه ويفعلها .. لا يحتاج إلا للحظه واحده ليفعلها .. كما يبل فراشه أثناء النوم , بشكل لا إرادي ..
ابتكر مدرسة جديدة للفن التشكيلي .. يمكن أن اسميها المدرسة العشوائية .. مدرسة الفراغ … لم يحتج في ذلك لجدع إذنه , أو الموت جوعا ..
_ أين عنه الشعراء ؟
يسهرون ويسهرون من اجل قافية واحدة .. وهو ينام ( ملئ جفونه عن شوا ردها ) .. ليبتكر نوعا جديدا من الشعر .. قصائد تتماشى وصدقه وبراءته بعيدا ً عما يكتبون .. ما عنده أعذبه أصدقه .. لا يتبعه الغاوون ..
_ لماذا لا تذهبين لرجل النهر وتساليه بدلا من البكاء ؟
كلما تأخر والدي في جبهة القتال , تكتب رسالة وترميها في النهر .. تعتقد أنها تصل لمن تظنه منقذا للبسطاء والحيارى .. كنت أظن أن في النهر رجلا ً تصله هذه الرسائل .. بدوري اكتب رسائل أخرى .. أخبئها في خزانة ملابسي وكتبي المدرسية .. يقرئها عندما يعود .. يضمني إلى صدره .. يؤكد أنها كانت تصله أولا ً بأول !!
_ كيف وصلت رسائلي ؟ ما تزال في الخزانة !
الليلة عرفت كيف كانت تصل رسائل أمي لرجل النهر ورسائلي لجبهات القتال .. أناديه كثيرا ً, حد التوسل .. اعتقد انه يسمعني .. من له هذه القدرة العجيبة على التوصيل , لابد أن تكون له نفس القدرة على الاستلام .. لكنه لم يرسل أي شيء .. وصل لمرحلة اقتنع فيها بإيصال ما كان يريد إيصاله إلي ؟ الكرة في ملعبي الآن ؟ يسيرني عن بعيد .. بغير ريمونت كنترول .. ليس عجبا , فهو مبتكر كبير..
_ غدا ً أسامحها .. أقدم أي تنازلات من أجل عودتها للبيت ..
يقع جزء من الخلاف على مسؤوليتي , إن راجعت نفسي أكثر .. لست مثاليا ً في تجاوز حماقات النساء .. أخطائهن الصغيرة ..
هذا العملاق الصغير , الكبير .. قزم جميع خلافاتنا .. لم يعد باستطاعتي تحمل تفاهتنا أمامه .. لن اجعله يضطر مرة ثانيه لأن يخاطبني بهذه الطريقة ..
_ سأفتقد تلك القصائد واللوحات البديعة ..
لا يهم .. جميل أن أسمع البلبل مغردا في قفص لكن إطلاق سراحه أجمل .. يعود لمكانه الصحيح .. لا يهم أن أسمع آو لا أسمع منه شيئا .. غدا سأطلقه من قفص الموبايل .. ولدي أغلى من البلبل بكثير ..
- الرموز
- التعليقات

