النص للكاتبة راوية بربارة
النص على مجلة لملمة من هنا
القراءة
قصّة د. راوية بربارة “محاولة إقناع” فاجأتني بفكرتها أوّلا، وبقدرة السخرية أن تكون مستترة داخل السرد القصصيّ، بدون تكلّف، وبدون مبالغة، عبر سرد يبدو تقليديًّا للوهلة الأولى، وأظنّ أنّ الكثيرين من القراء لم ينتبهوا للسخرية التي تفجرّها الأديبة د. راوية بربارة، متجاوزة الصياغة القصصيّة التقليديّة، رغم أنّ القارئ العادي لن ينتبه لقوة السخرية المستترة بفكرة القصة. وبالمناسبة لا بدّ أن أضيف أنّ اكتشافي لمضمون السخرية في هذا النص القصصيّ قد يفاجئ معظم من قراء القصة.
قد يتفاجأ من قرأ هذا النصّ القصصي بأنّني أتحدّث عن مفارقة ساخرة. فهي تبدو للقارئ نصًّا قصصيًّا تقليديًّا يتحدّث عن مجموعة طلاب بطريقهم للمشاركة بحوار، أمر لا شيء غريب فيه، تكتب: “السيّارة تهرول تشقّ الطريق الجبلي والقلوب تنتفض قلقا، تحاول استمهال السائق خوفا من المواجهة الأولى…لكنّ العجلات السود لا تستوعب المخاوف الإنسانيّة وتُنذر بالوصول”
فأين السخرية اذن؟ طبعا هذا تمهيد للآتي. وتضيف: ” ركضنا نحو قاعة المحاضرات منتظرين بداية المهمّة التي أوكلت إلينا في درس فن الخطابة وهي: محاولة إقناع الآخرين بوجهة نظرنا.”
حتى هنا النصّ يمكن أن نسميه نصًّا متوقّعًا لا شيء يثير التفكير فيما هو غير متوقع.
وهنا تبدأ اللعبة اللغويّة، لعبة المفارقة لطرح واقع ربما اعتدناه، حضر الطلاب لإجراء حوار يهوديّ عربي، يقترح الأستاذ أن يجري اختيار المتحدثين حسب ترتيب الحروف الأبجدية.
وتفجّر راوية بهدوء قنبلة أولى قد لا تثير التفات أحد “الطلاب العرب فضّلوا أن يستمعوا أوّلا لزملائهم اليهود”.
ماذا يتوقّع القارئ من لقاء كهذا؟
أن يطرح كلّ طرف ما يخصّه سياسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا.
وهنا المفارقة الساخرة لكن لمن يقرأ النص بعقل وليس بعين مغمضة وعين مفتوحة.
تتحدّث اليهودية ياعل، يشغلها امر أساسي “تبذل جهدها لإقناعنا بأفضليّة انتعال الحذاء الصيفي في فصل الشّتاء.. وتُسهب في الأسباب وتضحكُ”
اليهودية يفيت تهزّ شعرها على الأكتاف وتهزّ أفكارنا، محاوِلَةً إقناعنا بأهميّة تجفيف الجسد بعد الاستحمام بعباءة نرتديها ونمتّع جسدنا بنقاط الماء يمتصّها القماش على مهلٍ فيسترخي الجسد”
انتبهوا للسخرية هنا. أسلوب الطرح لا يقول شيئا، لكن الطرح لمواضيع تافهة هنا، يجب أن تجهّز القارئ لما هو آت.
طبعا تضيف راوية تفاصيل لا علاقة لها بالحوار الذي يتوقّعه القارئ للقصة من لقاء يهوديّ عربيّ. أي تجهّز القارئ ليعيش المفارقة الساخرة التي تنتظره.
وتؤكّد راوية الأمر الجوهريّ بالنسبة للعرب:” أمّا نحن فلم نجرؤ على اقتحام مواضيع غير عاديّة”
ماذا سيكون حديث العرب؟
انتبهوا هنا للفجوة بين مجتمعين ونهجين وتفكيرين وواقعين.
هنا تبدأ اللوحة الساخرة بالظهور بكامل المفارقة بين اتجاهين.
العربي سمير يحاول، كما تكتب راوية على لسان المشاركين العرب: “إقناعنا بموضوع السّاعة، جاهد وجهد ليُنعِش قناعتنا بأهميّة السلام كحلّ لا مفرّ منه وانّ الحرب لا تقود إلا للويلات وللمصائب”! طبعا لا حذاء ياعل ولا عباءة يفيت.
اذن كل الكلمات التي سهر على إعدادها سمير كممثّل للمشاركين العرب كما تكتب راوية: “ارتبكتِ بين شفتي سمير واهتزّت الأوراق المحمّلة بنظريّاتٍ واقتباساتٍ وأفكار”. بالمقابل قدمي ياعل وجسد يفيت هما مقابل حقوق شعب يطالب بالسلام.
هل من سخرية أبشع من هذا الواقع بين اليهود والعرب؟؟
هل من سخرية أرقى من هذا النص القصصيّ عن واقع نعيشه؟ شعب قلق لقدميه وجسده وشعب قلق على مستقبل السلام والحرية.
يجيء دور سعاد لإنقاذ الكرامة من الغرق. وبصوتها الخجل امام لقاء من هذا النوع الذي يشغل أبناء عمومتنا اليهود بأحذيتهم وحماماتهم تطرح سعاد بصوت خجل “مسألة خطيرة عن أهميّة إخلاء المستوطنات كشرطٍ للسلام المنتظَر”
هل هو سلام بين حذاء ياعل وحمام يفيت؟ دون أن يكون للمحتلة أرضهم والمميز ضدهم رأي بما يتعلّق بمستقبلهم؟
وهنا تطرح الكاتبة التساؤل الجوهري:” كان على أحدنا أن ينقذ الموقف المتفاقم، فكيف نقتنع بسخافاتٍ مطروحة ولا نقتنع بمواضيع لا حاجة فيها للإقناع؟!”
وتصل الكاتبة للموقف المليء بالمفارقة الساخرة من هذا اللقاء بين عالمين ونهجين:” تابع الطلاب طرح مواضيعهم، هذا يحاول إقناعنا بجمال التحف الخشبيّة الذي يفوق جمال التّحف المنحوتة في الحجر، وذاك ينجح في إقناعنا بدفء الصقيع الذي يفوق وهج الحرّ البارد المليء برائحة العرق!”
هذا الواقع أضحك الطلاب “حين حاولت أحلام إقناعنا بزرع أشجار الزّيتون بدل أشجار النخيل”.
وتنهي قصّتها بأنّ أستاذ فنّ الخطابة “ضجّ من تفنّننا في اختيار المواضيع الصّعبة ومن عدم تفنّننا في طرحها، وأشفق على حالنا وعزا عدم قدرتنا على الإقناع للّغة العبريّة التي تعرقل
أفكارنا العربيّة”. وأضافت الكاتبة بسخرية قوية:” ومنَحَنا فرصة ثانية لنبحثَ عن لغتنا الخاصة التي نستطيع بها إقناع أنفسنا قبل الآخرين.”
راوية قدّمت هنا بأسلوب يحمل جانبين من الفن، القصّ الجاد وبإطاره لمن يستطيع اختراق مضمون المفارقة الساخرة بين مجتمعين، عالمين متناقضين في وحدة مصير.