يروى أنّه كان هناك صديقان تجمعهما علاقة متينة لم يشهد مثلها أخوان شقيقان، حتّى أنّ النّاس ليحسدونهم على تلك الصداقة والألفة، لما يرونه من موّدة وحبّ وإخلاص بينها، اغتاظ الشيطان لذلك وأجمع كيده ليوقع بينهما العداوة والبغضاء ويفسد هذه العلاقة، فأتى أحدهما في هيئة التقيٍّ الناصح لا يريد إلا الخير له، وراح يهمس في أُذنه ويُملي له أنّ صاحبه يُفشي سرّه ويكشف ما يستودعه ويستأمنه، وأنّه يدّعي الفضل عليه، وأنّ هذا ليس أهلا للثّقة ولا المصاحبة، فهو ممّن كفر نعمتك وجحد فضلك، استشاط الشّاب غيظا للحظة ثم هدأ وراح يحدّث نفسه عمّا سمعه:” لأحدثنّه أولا لأرى صدق هذا الشّاب من كذبه، وأتأكد ممّا يقال لي ويشاع عنه، فلا ضير في ذلك ، إن كان ما يُقال لي صحيحا طلّقته دون رجعة وكُفيت شرّه، وإن كان غير ذلك اطمأنّ قلبي وازدادت محبتي له وتوطّدت علاقتي به”، لم تكدْ تمرّ ساعة حتى جاء صاحبه ينادي عليه، ليخرجا في نزهة كما جرت عادتها وتعودا فعله، وما إن انطلقا حتى شعر “عليّ” أنّ صديقه لا يهتّم لحديثه ولا يكلّف نفسه عناء النظر إليه، وأحيانا يعنّفه بالقول وأخرى يدفعه بيديْه، وأنه يسيء ويقسو في معاملته وهذا ما لم يألفه منه
لم يبد “عليٌّ” أيّ اهتمام لما يَبدر من صديقه، بل كان يتغاضى عن تصرّفاته لكن هذه المرة دفعه بقوة كاد يسقط بسببها وينطرح أرضا، هنا هزّه كبرياؤه وثارت نفسه ولكن ما لبث أن سكتت نفسه فكظم غيظه فتبسّم ولم يبد أيّ امتعاض ولم يسأله عن سبب إقدامه على هذا الفعل، وواصل سيره غير مبالٍ ولا آبهٍ بما صنع معه، فاستوقفه قائلا:” لِمَ لم تغضب مما فعلته معك ومن معاملتي لك؟ ولم تحاول أن توقفني عند حدي؟” فردّ عليه في هدوء وثقةٍ نفسٍ:” كنت لأفعل ذلك لولم تكن أنت، فقد اهتزت نفسي وثارت بادئ الأمر ثم انطفأ سعيرها ، تذكرت ما يجمعنا من عشرة وملح عيشٍ وصداقة ومحبّة، فليس هذا بالذي يُفرِّقنا ولا بالذي ينزغ بيننا ثم إنّي تذكرت أنّ لك فضلا عليّ ويدا لا يكفرها إلا جاحد بَغيض”، فانهمرت الدموع تشقّ خدّيه لما يسمعه من صديقه فجذبه إليه واحتضنه بقوّة وهو يقول:” سلام على الدنيا إذا لم يكن بها.:. صديق صدوق صادق الوعد منصفا، أتدري لقد جاءني نازغ أراد أن ينشز بيننا ويفرقنا، لكن هيهات له ذلك …
- الصداقة الحقة
- التعليقات

