ابتلعته الطريق، لم يُدرَ أيّ مكان أو زمان احتواه؛ كانت الأنباء تتواصل كل وقت، وعائلته في حيص بيص، نكث أحدهم ميثاقه وتنامت أخبار عن فدية، تلاشى الجمع المحيط بالمكان، فكروا ليلة بفصولها الأربعة كيف يعيدون الضحية، مر شهر وزوجته قد أخذت زينتها، وخرجت عليهم تحمل أوزارها، سألها قريب: إلى أين؟!
لم تشأ أن تجبه، أرادت أن تبتلع هي الأخرى اللحظات التي تتسرب بلا اهتداء، كانت الأشجار الكثيفة محيطة بالمواقع، شاطئ طويل، أطفال يملؤون الميناء بلا تذاكر، صراخ يتردد صداه وشجار لا يكف، كان الرجل الملثم ينتظر حادثا ما…رآها تتراءى في زي أسود واضعة الهاتف على أذنها اليمنى؛ تجر حقيبة حمراء…ردد هاتفه الاتصال مرات كثيرة، اقترب منها، ذعرت، أماط لثامه، أقفلت الهاتف، ألقت به في البحر، حملها، وضعها في قارب كبير، كانت الأموال مكدسة في خزانة حديدية، سالته: كيف وصلت؟!
حرك القارب، لم يجبها، حل الظلام وهما في عرض البحر، أخبرها أن الذين فعلوا ذلك قد قتِلوا جميعا، لا أدري من فعل، وجدت الأموال في سيارة أحدهم، كان عليّ أن أهرب بجلدي، إنهم يبحثون عني كي يعدموا لساني، قال الرجل سنسلمك بعد أخذ الفدية بطريق الحيلة، إلى عدوك، أقسم أنه سيمنح أموالا طائلة لمن يشنقه من لسانه.
كان يتلعثم كثيرا ولا يستطيع نطق الحروف جيدا، يبدو القهر على وجهه، ارتعشت يداه، وبرزت العروق الزرقاء بنفور، مسح دمعة فلتت من محجرها، تذكرت بكل برود أنه لم يكن هو ذلك الرجل الذي لم تلهه الدنيا عن قيمه، تنهد ، شعر بالغربة نحوها، ارتفعت أنفاسه، نسي أنه في القارب، انقض عليها، غمغمت تحت الماء، انفك الجسدان، استقرت الخزانة الصغيرة في قعر البحر، التهمته الأحراش، تحولت زوجته إلى حورية بذيل سمكة، تخرج كل مساء إلى الشاطئ ، تبحث عن القارب والخزانة .