كانت الأشياء من حولها تشبه نايا يتردد صداه بانكسارات على مرتفعات السفح حول المكان، وتضج السحب بأسئلة تهطل أمطارها الكبريتية على رؤوس المارة بينما تختبئ إلحاحات الطريق على الآثار المترملة من وحدة باردة تجر خيبة الأسف والحيرة حتى ولوج ليلة تشبه رماد حطب شتاء هرم بائس يتولد من شماله نسيم يصيب النفس بانتناءات تحد من وطأة فكرة شاحبة تقتل الروح وتمضي بكل براءة تستعيد ذكريات أمس يختبئ خلفه رجل وسيم، عريض المنكبين، يتوشح بالقصائد المنسابة كشلال نهر يتدفق راقصا على تلال تبدو حزينة بعد حرب دامت لأشهر امتصت ما تبقى من جمال ونضارة كانت تستمتع بها بينما تضج الحياة باستنكار جلي كل التفاصيل التي تشق ثوب المبررات لتحتضن المجتمع الذي يغط في تفاصيل رتابة لا يأنف من تكررها، ويشمئز من تجدد حياة لم يكن ذا عهد بها، كانت الأشياء الكبيرة في نظره صغيرة والصغيرة تكبر وتكبر وتكبر بحجم بالون ينفجر عند أول تماس بمشاعر أحدهم..
ليلى كانت فتاة يانعة جميلة مغرقة في أمل يتجدد رونقه كل يوم، وكلما امتد بها العمر تدفقت النضارة وتفتق خداها عن ياسمينتين تضجان بالحياة، أما عيناها فكانتا قيثارته التي كتب فيهما معلقاته التي امتلأت بعتاب أندلسي يدس قمر غرناطة في بغداد وتستنكر الحواديث عودتها لحبه، تصفحت ديوانه المخطوط وهي تقرأ :
عيناك ليل طويل
فوقهما سحابتان تنهمران بالحب
ليلى
ياليلة العناق
وبوح الوجدان ، ارحمي
ضعفي المجنون
بل المفتون .. حين يلتهمني ظلك
تصفحت كل الخواطر، أرادت أن تنسى قصة” عمرُها عشرون عاما، لكن الأغاني من حولها تلك التي جسدت بطولتهما، وحواديثهما ، لقاءاتهما صدفة، وشجارهما، ليالي الخصام الطويلة، وليالي العودة القصيرة، تقاسما الهموم والشجون، المرض والصحة، تذكرته حين أصيب بحادث سيارة وتكسرت ساقه، كيف تسللت إلى مستشفى القرية كي تطمئن عليه، وتمطر السحابتان على عينيه المغمضتين بين حياتين : حبهما وتلك المسافات التي تجتاز كل الأعراف، أي حياة هي ؟! أي مكان الآن يتفهمني… مرت تلك الأيام سريعة كسرعة برق جلي يخطف الأبصار ويمضي دون أن يعود كل شيء كما كان.. أكملت حياتها بين العمل والدراسة، أعالت أبناء إخوتها.. وكانت أما رؤوما لهم .. كانت أما صغيرة تحمل قلبا وهما يتضخم كل يوم، أذرفت دموعا كثيرة وقلبا تمزقه الذكريات إربا إربا، وحين يولد صباح جديد تلملم ما تبقى من نفس وتمضي مكملة حياتها العابسة رغما عن وجهها النضر المبتسم، فهي صارت تتكفل ببنات أخيها الذي فقدته في إحدى الحروب المجنونة، بينما ظلت الأم بين المستشفيات تعالج حنينها المعكوف على أسكفة قلب دفن في مكان ما. كانت ليلى تهتم كثيرا ببنات أخيها الصغيرات، تنقلهن إلى مدرستها التي أنشأتها للأيتام، أحبتهم كثيرا ، كانوا ينادونها أمهم .. لا تحب إلا أن يناديها الأطفال ماما ليلى، شعرت أن صدرها يثمل بالحنان متشبعا بحبهم وكأنها ولدتهم للتو، امتد بها العمر بعد أن خذلت تماما، لم تأبه لأمر من نصحها ألا تلقي بالا لمن جرحها، كفلت الجميع، كان وسام الطفل الوحيد الذي لا ينام إلا في حضنها لا يبرحه، ضمته بحب وشوق، سمعته يهمس :
عيناك – ليلى –
ليلة من حب
رأت في عينيه شوق أبيه، ضمته ..شمته.. حضنته، لقد خذلها وذهب ..ثم مات بعد أن ترك ابنه الوحيد على ناصية وطن مفجوع.
وسام أين أمك؟
أراد أن يجيب ، لكنه عجز عن الإجابة… تأتأ قليلا، ثم قال : لقد تزوجت رجلا آخر !
لم تصدمها الإجابة .. تركها أبوه ..وتزوج بها..وهاهي تترك ابنه في الميتم، لتعيد قصة جديدة بوجه آخر دون أثر .
عادت به إلى بيتها.. كبر بين عينيها وصار ابنها الذي لم تنجبه بطنها، توالت الحكايات .. وتكررت المشاهد بمسميات أخرى، عشق وسام نهى ابنة أخيها، وأراد أن يتزوجها .. لكن على جسر طويل من قصة حب طويلة ابتلعتها الظروف والأحداث وتكررت صورة الابنة في العمة.. انصرف وسام مسافرا للدراسة … نسي أنه خلّف وراءه ميراث قصة لم تنته هناك.. انتظرته كل الأوقات وبكل المقاييس، أخبرتها ليلى ذات ليلة، أن القصص – قد لا تتشابه- وأن الحب لا يضمر رغم أنه ينتهي عند نقطة ما.. ولعله يعود! فكم من مسافر عاد إلى وطنه بعد حين..
قالت نهى:
لكنه لا يراسلني يا عمتي!
لا يرد على تساؤلاتي وحنيني!
لا يهتم لشأني !
دخلت غرفتها وهي تمسك قلبها خشية أن ينزلق هذه المرة، الرجل وأبيه ملحمتان من جنون وخيبة من أمل!
كانت الرسالة الأخيرة تومض من إسبانيا أندلس الحكايات العتيقة، أمي ليلى .. لقد اشتقتُ لكِ، وعندي بشارة : تزوجتُ من ماري ! صديقتي في الجامعة هناك … وسنحضر قريبا لأعرفها بوطني وبأمي التي لم تلدني!
أرادت أن تحطم الهاتف.. لم تخطئ هدف أبيك..
لن استسلم هذه المرة وسأواجه ما كنت أخبئه من أجل مشاعرهم !
أرسلت له :
ابني وسام.. شكرا لأنك لم تنسني مثل أبيك.. لقد تجسدت أفعاله فيك تماما .. إلا أنه وعدني ومضى إلى أخرى ..وهأنت وعدت نهى لتمضي إلى ماري..
لا أريد معرفتكما بعد هذا الوقت الطويل من الانتظار.. يكفي ما طالني من زمن ما ، ولستُ بقادرة على أن أرى حكاياتي تتكرر في قلوب أخرى وبمسميات جديدة.