كالملسوع قفز تاركا مكانه في ساحة المدينة تحت الشجرة ذات الظل القصير، هنا يجده كل من يبحث عنه، انطلق يجر قدميه رافعا وتيرة سرعته إلى أقصاها. قدمه العرجاء لا تسعفه… لكن الأمر لا يحتمل الإبطاء…
كلما رأوه مهرولا، استشعروا في دواخلهم رعبا مكينا. هم يعرفون الأمر الجلل وراء هرولته .. بيد أنهم لا يعرفون البيت الذي يقصده. في قرارة نفسه يعلم أن (ريالا واحدا من بخور الجاوي يكفي ليبخر المدينة كلها)، إنما هي مسألة وقت فقط… لكنهم… مساكين!!
– إلى أين يا سي عبروق؟
سؤال يتعقبه من داخل الدكاكين التي يعبر من أمامها مهرولا، ويحاصره به المارة الذين يصادفهم في طريقه. لكن نكاية فيهم وفي لؤمهم يربأ بوقته أن يهدره. في تلك اللحظات يشعر بأنه أهم شخصية في مدينة صغيرة ليلها كنهارها… حتى الشياطين الصغار كالكبار، تتغير لهجتهم حسب حركته، إن رأوا خطوه ثقيلا، لا أحد يأبه به، بل هو (عبروق الأحمق)، وإن تحامل على إعاقته وأسرع في مشيه، من أصيل لؤمهم توددوا إليه فيصبح عندهم (عمي عبروق)…
يسألونه ليتأكدوا أن القدر طرق باب غيرهم، لكنه لا يرد على سؤالهم إلا بعبارات تزيدهم منسوب الرعب في قلوبهم:
مــــات الغــنــي يــا حبابـــي طـــــلبــة وعـــــــوام تـــابـــعـــاه
مــــات المسـكــيـن يــــا حـــبابــــي حـــتى واحــد مــا مشا معــاه(***)
لا إله إلا الله
– الدايم الله
أمولا نوبة… ( يا صاحب الدور استعد…)
هذا اليوم لم يسمعوا تلك العبارات، إنما اكتفى بالهرولة فقط.. بين نوبة الألم وسؤالهم يضج داخله بالضحك.
كلما هرول كانت وجهته ميضأة مسجد يسكن غرفة فوق سطحه، مقابل ذلك حملوه مسؤولية فتح أبوابه في أوقات الصلاة وإغلاقها بعدها، والسهر على نظافة المرافق التابعة له. إلا أن أعظم مهمة، في نظره، لم يذكروها في بنود التكليف هي التي تجعلهم يبحثون عنه، ويتوسلون إليه ألا يخذلهم… ينتظرون حضوره إلى بيوتهم على أحر من الجمر وهويخرج من الميضأة عربة فوقها تابوت، ثم يدفع العربة متقدما الموكب الجنائزي وهم خلفه يخضعون له يسرعون لسرعته، ويبطئون لبطئه، ويرددون خلفه عبارات يتحكم في إيقاعها ويغيرها في أماكن معلومة…
– لعنة الله على الكرعين بالحمص للعشاء…
لم يتوقف عن ترديد هذه العبارة على طول طريقه إلى الميضأة…

بعد ساعة أبصروه يجر رجله العرجاء بتؤدة، يتأمل ملامحهم ويقرأ فيها حيرة السؤال…

(***) من أغنية “السيف البتار” لمجموعة “ناس الغيوان ” الغنائية المغربية