أظل المعسكر الليل،ولما مد الظلام رواقه برق في الجو شعاع من نار وثار غبار، وسُمع دويٌّ قاصف كالرعد، وخر عدد من الجند صرعى ثم توالت الطلقات وانهالت قذائف البارود على أرض المعسكر، وقد أصم صوت الرصاص أذنيه بعد أن ساد الهرج والمرج المكان وشعر كأن سحابة سوداء تهبط على عينيه قليلًا قليلًا حتى غاب عن نظره كل شيء فسقط في خندقه لا يشعر بشيءٍ مما حوله،ولم يستفق حتى حدّثته نفسه بخطرٍ داهمٍ، ففتح عينيه فإذا الرقيب الذي تمرد قبل أسبوع ماثل أمامه كما تنبأ القائد بذلك. أفرغ الرقيب بارود إحدى طلقات المدفع الكبير، وأشعل فيه النار ليكشف أرض العسكر. عندها تأكد له حدس القائد فعمّر بندقيته واتّخذ موضعًا حربيًا دفاعيًا هجوميًا خطيرا وأصاب العميل المتمرد إصابة قاتلة، فما لبث أن سقط الأخير ويديه في حزية مع جسده الطويل الثقيل ثم مات، وبموته فقد الأعداء الاستدلال على مواضع الذخيرة والمؤن الأمر الذي عجّل بهزيمتهم في أول هجوم مضاد.
اندفع نحوه رجل ضخم الجثة، عيناه تقدحان الشرر، ليقف على بعد أمتار،وقد حجبه ظل الكوخ الساقط على الخندق من أن يراه وهو يصيح مرتاعًا: من هناك؟ عندها تيقن من لكنته أنه عدو آخر وقد انضم إليه آخران وهما يحملان بندقتيهما الآليتين،سكن عن الحركة تمامًا وبحذرٍ شديد أعاد تعمير بندقيته،واتخذ مرة أخرى موضعًا دفاعيًا هجوميًا أكثر خطورة من سابقه،وهو يقول في نفسه: إما أن يقتلهم الثلاثة جملة واحدة وإما أن يكون هذا الخندق قبره، وكان يعلم أن نوعية البندقية الآلية التي بيده يترفع رصاصها كلما زادت سخونها جراء إطلاق النار المتكرر،وبالتالي ربما يفلت أحدهم ويقضي عليه،فوضعها مائلة حتى يصيبهم في الوسط تمامًا، ثم وضع منظم زنادها في السريع وأطلق الرصاص جملة واحدة في نصف دائرة فسقط الثلاثة صرعى في الحال.ثم جاء القائد يتحسس من تبقى من جنوده فوجده في خندقه،فصاح به وهو يحوقل: هيّا يا فدائي لقد انسحب الجند.
لاح الفجر في الأفق والجنود قد تبعثروا في الأحراش من الهجمة المباغتة التي سددها الأعداء الذين استولوا على المعسكر، فجمعهم القائد وقال لهم بصوتٍ جهوريٍ قوي: عليهم أن ينتزعوا النصر انتزاعا بحول الله وتوفيقه من براثن الهزيمة التي ألمت بهم، وأنهم سينتصرون علي الأعداء بإذن الله، خاصة أنهم أي الأعداء فقدوا من كان سيدلهم على مكان الذخيرة والمؤن، وقد كان بأن نفد ما بيدهم من طعام وشارفت ذخيرتهم على النفاد هي الأخرى،وفي أول هجوم مضاد انتصر القائد وجنده على الأعداء الذين تناثرت جثث موتاهم في فضاء المعسكر، وهام الأحياء منهم في الأحراش على وجوهم من غير هدى وقد ساءوا سبيلا.
- الفدائي
- التعليقات

