..تمنى أن يكف الكلب عن النباح، وأن يكون نباحه كاذبا، لايستدعي الخروج، في ظلمة حالكة، لتفَقُّد السبب. لهذا ماطل، وطلب من زوجته الإنتظار والصمت، عله نباح عابر، لاينم عن خطر يهدد البقرة والبغل والنعاج في مربطهم، خارج الدار، لكنها كانت تزم فمها لهنيهة، ثم تفتحه لتذكره، كل مرة، بواحدة من حوادث سرقة المواشي التي جرت في البلدة، الٱونة الأخيرة، دون أن يُعرف فاعلوها. بينما يتصاعد خوفها مع احتداد النباح أكثر، فيم كان هو يهون عنها، وعن نفسه، بتذكيرها أن هناك أيضا ذئاب وثعالب وخنازير، تقترب من المنازل ليلا، وليس لصوص المواشي فحسب ! لكن عواء الكلب الذي تصاعد فجأة، كأن أحدا ما ضربه، قطع الشك تماما، وبخر الأماني الكاذبة من نفسه، وحتم الخروج لمواجهة الخطر. بينما انكمشت زوجتها على نفسها، وفي صدرها تتجمع صرخة رهيبة قد تنفلت في أي لحظة، غير قادرة على النهوض من مكانها، وعينها على الأولاد الغارقين في النوم، إذ كانت سكين الرعب موضوعة على عنقها، فماالذي سيمنع اللصوص عن ذبحها، هي وأولادها، إن وقفوا في طريقهم ؟ لكنها لم تثن زوجها عن الخروج، رغم خوفها عليه، إذ كانت خائفة أيضا على المواشي، التي اخشوشنت يداها واحدودب ظهرها في العناية بها، كما تقول، أن تسقط صيدا سهلا في أيادي المجرمين، فاستنجدت بكل الأدعية التي في ذاكرتها، علها تحصن زوجها منهم، وتنصره عليهم. فدعته يخرج، وهي ترتجف كخرقة على حبل في مهب الريح. إرتدى جلبابه على عجل، بعد أن كان عاريا في الفراش، تسلح بمذراة، وتسلل بحذر شديد دون أن يصدر، لاهو ولاالباب، أي صوت، ومن غير أن يشعل ضوءا ينبه السارقين الى استيقاظ أهل الدار. كان الكلب قد توقف عن النباح، وأسرع يتمسح بأقدامه، حال أحس به وقد صار خارجا. بقي لفترة لاصقا بالجدار، من غير حركة، مصيخا السمع، لكن دون أن يتبين بأذنه صوتا يدل على حركة مريبة في مربط المواشي والبغل، عدا صوت ريح خفيفة تهز أوراق الاشجار وحوافي البلاستيك الذي يحمي اسقف المربط من تسلل قطرات المطر. ثم تحرك بحذر شديد، كأنه يحبو على أربع، جهة شجرة زيتون في ساحة الدار، ولبد وراء جذعها الضخم، بينما الكلب صامت كأن مامن خطر عاد هناك ! لكنه كان غير قادر على الإطمئنان، والتأكيد أن الذي سبب ذاك العواء للكلب، قبل أن يخرج، كان ذئبا مهاجما وليس فعلا من يد البشر. لهذا مكث مدة ليست بالقصيرة، دون حركة وراء الجذع، حتى بدأ يشعر بلسعات البرد، فمد يده ليضع قب الجلباب على رأسه، بعد أن نسي طربوشه الذي لايفارقه في غمرة اندفاعه، لكنه لم يمسك بالقب، ولم يجده في مكانه متدليا على ظهره، فاحتار في الأمر، ودار على نفسه في توجس وخوف. لحظتها انطلق الكلب مرة أخرى، في نوبة نباح جديدة، جعلت قلبه يدق صدره بأقوى من المرة السابقة، فحاول التراجع مسرعا الى وراء الجذع، لتبين الأمر، لكن قدمه إنزلق ووقع على ظهره، فانقلب القب، الذي كان متدليا على صدره، وغطى وجهه ورأسه، ولم يفطن الى كونه، في غمرة استعجاله واضطرابه، إرتدى الجلباب بالمقلوب، وظن أن اللصوص باغتوه وقلبوا قب الجلباب على رأسه ليخنقوه به، وأطلق صرخة قوية ليسمعه الجيران !
- القُبّ
- التعليقات
