لما وضعتِ الشمسُ القفلَ في باب الإنتظار، معلنة موعدَ غلقِ ساحة ( الموقوف) فضاءَها، أمام الأمل في الفوز بفرصة عمل يوم، حيث على الخائبين الفائضين عن حاجة المشغلين للأيادي، الإنتظار حتى اليوم الموالي، ليختبروا حظهم ثانية. كان عليه أن يطأطأ رأسه، وينصرف في جملة الخائبين، بعد أن ذبل الأمل في قطف أجرة يوم عمل من شجرة المساء، الأمل الذي يينع باكرا، منذ بزوغ أنفاس الضوء الأولى، وينسحق سريعا مع أولى ضربات الشمس، حيث تكون الأشغال قد انطلقت ! وذلك ليس جديدا عليه، إذ اعتاد أن يحمل خيبته، كما يحمل شقوق يديه، بعد كل انتظار ثقيل ممل، يجعل للصباح طعم قفص يطبق على متهم أوان الحكم، وينتهي بحكم إفراغ نهار ٱخر من فرصة عمل يوم، وإفراغ جيب من أجرة يوم عمل، وهذا قبل الشروق، حين يستبد سعار الصقيع بالبرد، ويجعله ينهش الجلود تحت الثياب بشراهة أكبر، قبل أن تدركه أشعة الشمس. حيث كان يساعده طبعه الحشري في الإنتقال بين المجموعات المتحلقة حول نار الكارتون، كلما انقدحت ألسنة لهب وتراخت أخرى، وكذلك لسانه الممدود دوما للكلام ككف مبسوطة. ورغم هذا كان ينال حصته من قسمة الصقيع دوما، ولاينال مقابلها حصته من يوم عمل كثيرا ! كلها صباحات مبنية للمجهول، لايعرف أثناءها أي عمل سينجز، لو اشترى أحد طاقته ويده، ولامن سيكون مشغله، ولامدة الإنجاز. صباحات ( ككارطة مدموصة)،
قبل أن توزع، وتنقلب ورقة على ظهرها، وياما كانت ( اللاز)، كلما كان ( الموقوف) كاسدا، حيث الأيادي معروضة بوفرة، والمتبضعون قلة ! لهذا كان قد اعتاد، منذ فترة ليست بالقصيرة، على قضاء صباح كل نهار فارغ بين أيامه، في المحطة، بين جمهرة المنتظرين، وفي جملتهم، كأنه ينتظر أحدا أو شيئا. بعد أن عرج عليها في المرة الأولى، لإستطلاع إمكانية أن يتدبر عربة يدوية ويشتغل حمالا على تخومها، حيث اصطدم كحاله حيثما ولى وجهه، بزحمة من الحمالين المتدافعين كالكلاب حول بقايا عظام. فقادته قدمه الى بهوها، حيث وجد جوا ملائما لتمضية الوقت، يتيح للسانه الذي لايطيق الصمت، فرصة مد حبل الحديث مع أي كان، وحول أي شيء كان، والتحليق الى عوالم لاعهد له بها من قبل، قد تسقط منها عليه فرصة ما، من حيث لايحتسب، فلاأحد يعرف ماذا يخبأ له الغيب، ولقد حظي بعدد من السجائر، هو الذي كان جيبه فارغا في صباحه ذاك، لقاء حديث عابر، مع أشخاص غرباء، وكانت بارقة أمل بعد أن أظلم ( الموقوف) أمامه، مع شروق الشمس ! لهذا صار يذهب في جملة الذاهبين الى المحطة، كلما عاد خائبا من ( الموقوف)، رغم أنه لاينتظر قطارا، ولاأحبة مع عناق حار، ولابضاعة، كما لايودع أحدا، وإنما ليتصيد فرصة حديث عابر، مع أشخاص عابرين، في لحظة عابرة. وصار يرسم سيناريوهات مختلفة كل يوم، بل كل لحظة، فتارة ينتظر زوجته المسافرة، وتارة أخرى إبنه الٱت من بلاد بعيدة، ومرة بضاعة، وحتى عشيقة..فهذا يتوقف على نوع المخاطب وعمره ومظهره، حيث يظل، وإن بادر الى الكلام، يتناول فتات أحاديثه من موائد الٱخرين ! بل وأصبح يشك في كونه حقا لاينتظر أحدا أو شيئا، إذ القدر الذي دفع به الى المحطة لايعبث ! وصار يفعل مثل المنتظرين، ينظر الى ساعته النافلة، يتلهف، يتأفف، يستعرض خطواته جيئة وذهابا، ويتوهم أنه ينتظر أحدا أو شيئا، لأن الوهم أفضل من فراغ عاري، لاينتظر فيه سوى مرور يوم ٱخر، ليطلع صباح ( موقوف) تالي، وتنقلب ورقة ( كارطة) أخرى على ظهرها، وقد تكون ( اللاز) ! لهذا لم يعد يتورع عن الإندفاع، في جملة المندفعين، حال توقف القطار، ليعود متحسرا مبديا إنزعاجه من الناس الذين يخلفون مواعيدهم، حيث ينتهي الى تصيد حديث عابر، يضع فيه نفسه على رأس الذين يلتزمون يمواعيدهم، والباقي لا، ومعه سجارة أو أكثر !
لكنه لم يتخيل أنه، ذات صباح، سيوقفه رجل امن، حال ولوجه باب المحطة، ثم يلوي يده، قبل أن يضع فيها القيد، دون أن يفهم لماذا، وقبل أن يسمع سؤالا حادا، وهو محشور في سيارة الأمن :
– ماذا تفعل في المحطة ؟
– أنتظر أأأنتظر…
– ماذا..تكلم ؟
– أنتظر زوجتي..لا،لا..أنتظر إبني..
– كذاب.. صور كاميرات المراقبة في المحطة، أظهرتك تخرج وتدخل من وإليها، دون أن تستقبل أحدا أو شيئا، ودون أن تسافر، مرارا، ومنذ مدة ليست بالقصيرة..
أنت لص ؟
صاح في وجهه رجل الأمن باحتقار ومقت. تذكر المراءة التي كانت تصرخ، قبل أيام، بعد أن نشل أحدهم حقيبتها اليدوية، حيث كان قريبا من الواقعة، فتحلق حولها في جملة المتجمهرين، وقال لرجل الأمن :
– صحيح، حسدتُ السارق، بلاشك كان في المحفظة حزمة نقود مغرية، صاحبتها مرفهة، كان ذلك باديا من السلسلة الذهبية حول عنقها. صحيح، تمنيت لو كنت أملك جرأته وشجاعته، لخطفتها من عنقها، وحتى أخطفها مع عنقها اللذيذ. لكني جبان، أملك أصابع جبانة تعلق مرتجفة، لو حاولتِ التسلل الى جيب أو محفظة ما..مسألة درس لم أتعلمه، وكان سيكون أجدى من درس فارغ تعلمته في ( الموقوف) !
نظر إليه رجل الأمن في استغراب مشوب بالشك، أشعل سجارة، أغلق باب السيارة دون أن يحيد بصره عنه، ومضى الى المحطة من دون ان يقول كلمة. تتبعه
ببصره كطائر وراء قفص، حتى اختفى، ثم اتكأ على الكرسي مصفدا، منتظرا متى تقلع سيارة الامن؟.