حالة من الاكتئاب الشديد طالته مساء ليلة شتاء طويلة، أراد أن يحطم كل شيء، لم يطق الأصوات المترددة من حوله، دس رأسه بين الوسائد، شعر بازدياد التوتر، كره النوم فهو يراهم مجددا في أحلامه وكأنهم واقع مفروض، قام من فراشه ليحتسي القهوة كأنها المرق، وضعها على طاولته المعتادة، فتح المذياع، سمع أصواتهم جميعا، شعر بالغثيان، كل شيء متشابه، الأصوات، الموسيقى، الأغاني، نشرات الأخبار مصيبته الكبرى، حيث تذكر حين كان مذيعا مخضرما، لم يأبه للأوراق التي تأتيه مطبوعة سلفا بمزاج المحررين المختلط بروائح الدخان وأحاديث النساء ، كان يضع الأوراق جانبا ثم يسردها ارتجالا دونما تردد بل كان يضع عليها بعضا من أفانين كلماته الشعرية وصدى عبراته كلما وقف عند موقف مؤلم.. ظل كذلك سنوات حتى جاء دور المخرج الذي نظر في وجهه مليا قائلا له: نحن لا نحب ارتداء القمصان القديمة، إنها مهترئة ولا تسع إلا المدمنين على هوى قد ذبلت جوانبه وتوقف زمنه، قام وهو يجر حقيبة الأخبار، والترهات وبعض إيقاع ذكرى الشاي والقهوة وصوت فيروز والصخب الذي كان يحدثه حين يعلن انتصار أحدهم في معركة ما..
أدرك لتوه أنه كان معتوها حين احتفل بانتصار صاحب المؤسسة على باقي المؤسسات الأخرى، ها هو يوكل إليه باسم الاختصارات الحديثة، مخرجا من طراز ما لم يأت على مسماه عهد قريب بالمسميات، ليعلمه أنه قد قرأ إعلان انتهاء زمنه منذ قراءته ذاك الخبر بنبرة متعالية …
أراد أن يحطم المذياع ، ويمزق الكلمات، وينهش جسد اللحظة التي سكبت من انتشائه كائنا معتوها صدق نفسه حتى الثمالة ورضي بكسرة خبز تغطي جوعه الدائم لإعادة الكلمات وتلوين شفاهها ما أمكن بالغباء المستفحل.
- المعتوه
- التعليقات
