الصغيرة الجميلة بائعة الخبز عند كل فسحة فراغ تهيم على هاتفها فرارا من روتينها اليومي، ومن أب صارم متجهم أحال حياتها جحيما لا يطاق.. يرهقها غراميات أحدهم فتتبسم للشاشة برومانسية لا مثيل لها، وترقن حالمة:
-“وكم عمرك أنت؟”
-“واحد وعشرون”…
ويواعدها حذاء بيت حادة العورة.
-“عنداك ما تجيش” متوعدا.
تقطب حاجبيها تبرما، هو يضطرها دائما ﻷن تعيد سرديتها بتفصيل:
-“أبي يلازمني كظل في الغدو والآصال، كما أنني لا أبرح الدكان إلا لطارئ أو صبيحة كل أحد لزيارة عمتي في الحي الخلفي، أو حينما يتصل به صديقه قدور ليلعبا الورق في المقهى”.
تنهدت في عمق وأردفت:
“حينها، وحينها فقط أتذوق وأختي الصغرى طعم الحرية”.
-“يوم الأحد إذن” يرقن مقترحا.
-“هو لا يمنحني سوى ساعة يتيمة لا تسمن ولا تغني من جوع، كما أنه يهاتف عمتي دائما ليتأكد من مروري عليها”.
وقبل أن تستطرد تقرأ على الشاشة:
-“وامصيبة هدا!!”.
-“أجل -موافقة في شماتة- أبي كارثة حلت بي، مصيبة لا أجد لها حلا”.

سادت هنيهة صمت رهيب تعاظم خلالها كالطود ذلك الهاجس الفجائي لديها من أن يصرف الفتى النظر عن المسألة جملة وتفصيلا؛ وقبل أن تلامس أناملها المرتعشة الشاشة ظهرت حروفه من جديد ..
-“اسمعي سأتصل بأبيك في الهاتف غدا وأخبره أن صديقه قدورا قد نقل على وجه السرعة إلى المشفى، وحينما يغادر -حتما- وافيني قبالة بيت حادة حسب الاتفاق المسبق بيننا ستجدينني هنالك في انتظارك بسروال جينز أزرق غامقا، حزام أسود، وسترة بيضاء وسأعتمر قبعة مستديرة الشكل ليسهل عليك التعرف علي…”.
ثم أردف بعد حين:
-“مقلب جيد أليس كذلك؟”
ابتسمت دون أن تعقب.
في الغد ولجت البيت ساهمة حزينة تكاد الدموع تقفز من مقلتيها.
خذلها النذل الوقح وجعلها تنتظر أمدا طويلا تحملق في هندام المارة كحمقاء.
“سروال جينز أزرق، -فكرت في سخرية ومرارة- سترة بيضاء، قب.. قب.. قبع… مس.. مس.. مس…”
ارتعشت الأفكار في بواطن لسانها بينما بصرها شاخص في الماثل أمامها بسروال جينز، سترة بيضاء، قبعة مستديرة، وحزام جلدي أسود كبيرا ومن النوعية الممتازة في يده اليمنى:
-“زيدي أبنت الحرام”…