أعتقد أننا تربيتا -عندما كنا نسمع الحكايات من الجدات -على سماع كلمة ( يحكى أنه …. أو زعموا ……أو كان يا ما كان ….أو.،أو ..) إلى غير ذلك من العبارات التي ، تنفي المؤلف تماما حتى لو كان معروفا وتبعده بصفة نهائية من مسرح النص ، فينصرف ذهن المستمع مباشرة إلى الفعل وليس إلى الفاعل الذي أوجد هذا المحكي ، فيرتقي النص بما فيه من جمال وقوة بعقول هؤلاء المتعطشين إلى السماع والاستمتاع بابداع أحد ما انتج النص وانتهى كالشمعلة تحترق لتضيء غيرها !! ولم يسبق أن سمعنا كلمة قال فلان أوفلان ، فلان هذا ينصهر في بوثقة الضمير الجمعي ويصبح مجهولا ينوب عنه الراوي فقط والذي يطبع القصة بطباعه الخاصة ! الدراسات النقدية الحديثة بنقادها الكبار أصبحت تنادي بموت هذا المؤلف ،خصوصا في المجال السردي ! الهدف من هذا الكلام هو أن التعامل مع النصوص من الناحية النقدية ، يجعل الناقد في حيرة من أمره ..أيدرس النص في ارتباطه بالذي اوجده ؟! أم يدرسه من داخله اعتمادا على بنياته بجميع أنواعها ؟! ويكون ذلك بعيدا عن استحضار المؤلف الذي غالبا ما يصد ذهن الناقد عن تلك الحقائق ، التي يتميز بها النص وإذا انصرف ذهن الناقد عن النص ، وظهر ما يشغله ويشتته من مؤثرات خارجية ، فإن العملية النقدية برمتها ستؤول إلى الفشل على اعتبار أن تشتيت الفكر قد يقض الموضوعية في نفس هذا الناقد أو ذاك فتنعكس هذه المؤثرات الخارجية سلبا على العملية الأبداعية بصفة عامة فينكسر الازميل في جسم الصخرة المنحوتة ، فإذا كان قتل المؤلف منذ القديم لم يؤثر في قيمة النص الملحمي أو الحكائي أو الأسطوري فلماذا نستحضره اذن في عصرنا في عملياتنا النقدية بهذه القوة ، رغم أن هناك داسات نقدية حديثة تنادي بموته ، فإذا كان القاريء غير ملزم باستحضار المؤلف أثناء القراءة ، والمؤلف غير ملزم باستحضار القاريء اثناء إبداع نصه (لأن استحضار القاريء أثناء الابداع يضر به ) ، فالناقد بدوره ليس ملزما باستحضارهما معا ( المؤلف والقاريء ) في عمليته النقدية ، حتى إذا كان يبحث عن مؤثرات خارجية للنص لمعرفة البيئة أو المحيط الذي أفرز هذا الإبداع أو ذاك ،يستحسن أن تستنبط من ثنايا النص ! فرغم أنه من خصائصه الإنزياح ومجانسة الواقع فإن المكتوب الأصيل يدل حتما على أصالة الذي أبدعه ، فالمؤلف الجيد / المبدع الحقيقي هو الذي يفرض حضوره من خلال جماليات نصه ، لأنه يعطيه علامة تميزه عن باقي النصوص و باقي المؤلفين الآخرين وحتما إن هذه العلامة ستكون واضحة للناقد لأن لغة الإبداع بصفة عامة تخضع لظروف منتجها باعتبارها فوضى لغوية تتشكل في سياقات معينة تبعا للخلفية الثقافية( للمؤلف / المتكلم) ، ولعمري إن أصالة المؤلف ، نور يشع من تلافيف نصه ، وربما يعرف الناقد مؤلف النص الذي يعالج من خلال تلك العلامة الدالة عليه ، وأقول لك أخي القاريء الكريم ، أني عشت تجربة بسيطة ، تتجلى في كوني كنت محكما في إحدى المسابقات ،للقصة القصيرة ،ومن بين ما يزيد عن ثلاثين نصا ميزت ثلاث متسابقين من خلال الأسلوب والبصمة الإبداعية التي يتتميز به هؤلاء المؤلفون ، ولم أخطيء هذه العلامة أبدا ، فالنصوص كلها كانت مجهولة المؤلف إلى حين إعلان النتائج ، هذه قناعتي الشخصية ، بالنسبة لاستحضار المؤلف في العملية النقدية بصفة عامة ! في كثير من الأحيان ما تتحول العملية النقدية إلى إطراء على المؤلف إما خوفا من ردود فعله أو لوجود قرابةة أو صداقة أو ما شابه ذلك ، فيهمل النص الذي هو الأساس فيجري الناقد لاهثا لاستصدار أحكام قيمة عامة جوفاء لا تسمن الإبداع ولا تغنيه عن جوع . ربما بناء على منهج المؤلف في الكتابة أو ما يعرف عنه ، وهنا أشير إلى أن أي استحضار لأي مؤثر خارجي بما فيها المؤلف وحتى القاريء ، والابتعاد عن ثنايا النص ، وتشريحه من داخله قد تضر بالعملية النقدية وتدمر الحافز على الإبداع في نفس هذا المؤلف ، لأن تكبير حجمه قد يخلق في نفيه نوعا من الغرورالقاتل ، وبالتالي تتضخم في نفسه عقدة الإبداع المزيف ، فيعيش كذبة الابداع والخلق ويجري وراء نقد كاذب ! أشير إلى شيء آخر وأنطلق هنا من تجربتي الشخصية ، في بعض الأحيان تكون بعض المناظرات الأدبية حول نص شعري أو قصصي ، فأقرأ جميع التدخلات ،فأجد أن أغلبها يركز على شخص المؤلف دون النص ، ومع إصدار أحكام قيمة مجانية ، فربما عندما نجمع كلنا على حكم معين في حق المؤلف بعيدا عن النص الذي هو المستهدف الأساس ، بالعملية النقدية ، فإننا نرتكب خطأ كبيرا في حقه ونظلم النص ونسمح للجاذبية الأرضية بأن تشدنا بالناب والناجد فنراوح المكان ونعيش ، أكذوبة الروووووووعة في الإبداع التي توزع مجانا وبدون تبرير لهذه الروعة ، في حين أجد أن بعض المنابر الأدبية تجرد النصوص من أصحابها ، فينصب اهتمام القاريء والمتدخل والناقد بصفة عامة على النص ، فتروم الملاحظات في حقه قسطا كبيرا من الموضوعية ، ومن طرائف هذه العملية أني شخصيا وجهت انتقادات قاسية لنص صديق من أعز أصدقائي ، وقد قبل هذه الانتقادات لأنه يرغب فعلا في تطوير كتاباته وفقه الله فلوكان هذا النص مديلا باسم هذا الصديق هل كنت أجد حريتي للتعامل نقديا معه، لا أظن فيكون أمامي خياران فإما أنسحب حتى لا أحرج مع صديقي ، أو أجامله ،وأنافقه خصوصا إذا كنت أجهل ماذا ستكون ردود فعله كما يقع لنا في كثير من الأحيان ، ولا يسعني هنا في هذه المقالة إلا أن أقول لأ ي كاتب : (اقتد بتلك السمكة التي بمجرد ما تضع صغارها تسلم الروح وتموت من أجل أن يقتات عليها هؤلاء الصغار على جسدها وهذه قمة التضحية ، فأنت أيضا أخي المؤلف تخلص من نصك بمجرد نشره ، لأنه لم يعد لك ،بل سيصبح للقاريء والناقد ، أما أنت فستكون جزء من هؤلاء لأنهم لا يقلون أهمية عنك ،وطرفا في عملية الكتابة ابداعا ونقدا وقراءة ،رعاكم الله مؤلفين ونقادا وقراء.