لم أكن قد دخلت المدرسة حينما انتقلنا لقريةٍ اسمها “المشاهدة”. كنت مولعةً بالخروج وحدي خارج الدار واستكشاف الطبيعة، ولكني كنتُ كثيراً ما أجزُّ شعر أختي التي تصغرني؛ فأنتقم منها بعيداً عن الأعين.
كانت أمي كثيراً ماتعطيني مؤونةً وزواداً أذهب به لتلك العجوز الوحيدة “أم محمد” والتي تسكن بيت طين من غرفة واحدة، ولها تنور صغير جداً وكأنه تنور ألعاب أطفال. كم كنت أشعر بالسعادة حينما أجلس معها أراقبها كيف تخبز، فتخرج قطع خبز صغيرةٍ وكأنها تأكلها اللُعب.
كنت أحسدها لوحدتها وعندما أسأل أمي لماذا هي وحيدة؟ تهز رأسها وتجيب: والله لا نعرف قصتها، ولكنها وحيدة.
لطالما تأثرت بهذه الوحدة ولا أعرف السبب، فكلما ذهبت إليها أقول في نفسي: ياليتني كنت مكانها.
توسلتها يوماً إذا تركت المكان أن لا تهدّ التنور؛ فوعدتني. كنت أتمنى وبل أتحسر على لمسه وهو مشتعل وكنت مصممة على أن أخبز فيه بعد رحيلها.
يوما ما سمعت أمي تقول أنها رحلت ولا يعرفون إلى أين. ذهبت أتحسس تنوري فوجدته مهدماً؛ بكيت حينها كثيراً.
………….
عندما رجعنا للعاصمة بأمر الحكومة، لم أحبها ولم أستسغ ضجيجها.
ولكن ما حببني إلى مكان بيتنا هو قربنا من بيت الحارس. كنت أمرّ بهم وأنا في طريقي للمدرسة. كانوا يسكنون بيتاً من الصفيح من غرفة واحدة ودائماً بابهم مغلق. عندما أراه مفتوحاً بالصدفة أتطلع لداخله فالفضول يقتلني لمعرفة حياتهم، ولكني لا أرى سوى الظلام لأن البيت لا شباك فيه.
اتخذت ابنتهم صديقةً لي في رواحي ومجيئي، فكانت تحدثني أنها تحسدني لأني أذهب إلى المدرسة؛ وكنت في كل مرة أبادرها بقولي: ياليتنا نتبادل. الضحك كان متنفساً لي معها مع أن رائحتها لا تطاق.
صرت أصارح أختي بحبي للعزلة وأنني قررت أن أعيش وحيدة في غرفةٍ عندما أكبر؛ وأنه لن يكون لي غير صحنٍ واحدٍ وقدرٍ صغير؛ ضحكت أختي المدللة ونعتتني بالمجنونة.
حقاً بقيت هكذا أحلم ولا أتخلى عن الحلم إلى أن كبرت وصرت إلى المتوسطة، وكثيراً ما كنت أفكر: ياهل ترى هل أتخلى عن حلمي والذي عشقته سنين؟
………………….
ولكن عندما نبض القلب تطور التفكير والتساؤل: هل أنني أحقق الوحدة مع ثانٍ؟ أم أنها لا تصلح!
صار تفكيري مضطرباً جداً ومتذبذباً، فمرة أصرّ، وأخرى أتراجع وأن للمرء شريكه الذي لابد منه.
………………
كبرنا وكبر الأولاد وتزوجوا وامتلأ البيت بالأحفاد المشعوذين، ولكن الحلم لم يمت، ولم يُنسَ.
اليوم واجهتهم كلهم وألقيت عليهم خطابي وأنا أعرج: آن لي أن أحقق حلمي، فقد سئمتكم!
تنبهوا لماقلته مذعورين: وما حلمك يا أمّ؟
قلتُ صارخةً فيهم بعدما أزحت لعب أولادهم عن طريقي ومن فراشي وتمددت: لا لا، لن أبوح بسري هذه المرة، بل سأحققه على حين غفلة وأنتم نائمون.
- الوحدةُ حُلم
- التعليقات

