..لم يترك لي النهر الهادر مجالا للمحاولة، ولم أكلف نفسي عناءا لأجلها.إكتفيتُ بإلقاء نظرة واحدة، لأتأكد أن المحاولة عبور الى التهلكة.! النهر لايكذب، لايخدع، لايخفي خلف دموع تمساحية أنيابا متحفزة. والماء حين يغضب يتخلى عن صفائه، ويمتقع بلون الوحل.. لهذا إكتفيت بنظرة واحدة الى الامواج المتلاحقة كأنفاس من صدر مستعر المندفعة في تيار جارف يزداد صخبا في مجرى يزداد إنحدارا كلما أوغل النهر في المسير بين جبال تمتد مع البصر. وسمعتُ صوت الاحجار التي يسوقها الماء امامه كصوت اصطكاك أسنان في قمة الغضب. رفعت رأسي الى سماء سقفها من غيم داكن، وعلى لساني تتزاحم اللعنات مندفعة في إتجاه النهر، ومسكني المنعزل، وفي إتجاه أولئك الذين صدعوا رؤوسنا، صباح مساء، بفك العزلة عن العالم القروي.! لعنات أقصى ما تستطيعه أن تصير جسرا من كلام ليعبر غضب يائس محبوس في الداخل الى الخارج حيث يتبخر كالضباب.! إستسلمتُ لفكّ العزلة وهو يطبق علي. ألقيت نظرة على ثيابي المبللة وحذائي الموحل، وعلى المساء المنسحب وراء الشمس الغاربة في لامبالاة قاتلة، ثم لملمت قدمين إنقطع الطريق عن خطواتهما، وعدتُ على أعقابي، دون ولاعة، عازما قضاءَ ليلة طويلة بجوار الكانون، أهش الرماد عن جمرة ستكون بذرةً لنار الصباح القادم، فالجمر صار يخبو سريعا في كوانيننا، منذ أن فقدنا خشب السنديان، كما تخبو سريعا أشياء كثيرة..!.
- الولاعة
- التعليقات