حان الموعدُ وبدأتِ القوافلُ بالوصول، وحضرَ رجلٌ أسمرُ طويلٌ ظريفُ الشكل، وجلس في صدرِ الديوان، تفاجأ مَن امتلأتِ الهوامشُ فيهم، ولم يتفاجأ هو بما قرأهُ في أماكنهم، فهو من المؤمنين الذين يقدّسون الوقتَ وينحنون للعمل ويكنّون الاحترامَ للموقف، جلس ولم تفارقهُ نظراتُ المدعوّين الذين أتوا واختبأوا في عباءاتهم ولم يفضّلْ غيرَهُ على نفسه، فهو واحدٌ من الذين دَعَوا ولا قيمة لغيرِه أكبرَ من قيمته لنفسه.
قال لواحدٍ جاء من قبل شخصٍ يدّعي الوجاهه (لن أتحرك ) وبقي في مكانِه
امتلأ الديوان، وصار الجميعُ يتهامسون جماعات، إلا ظريفَ الطّولِ الذي تربّعَ في مساحةٍ كبيرة وكان زميلَ نفسِه بالحديث، وقال الكثيرَ دونَ رقابة، ودونَ أن يقاطعه أَحد.
دخلَ المُختار، سكت الجميع، وقال: هناك ضيفٌ سيأتيكم من بلدٍ بعيدٍ ويحبّ الاستماعَ إليكم وإلى رأيكم بأهميةِ الجوار، ولكم في ذلك أجرٌ من الله وشفاعةٌ عن أعمالكم من الرسول الكريم.
أَثنى الوجهاء على ما تفضّل به مختارُهم وفوّضوه بالحديث، فقال ظريفُ الشكل: إن الضيفَ أراد من المختار تفويضَكم له في الأرضِ وفي العِرضِ والولاءِ والسيادة.
ذُهِلَ الذين كانوا على بابِ الديوان وخارجه، ابتسم بعضُهم، وصفّق آخرون، وانسلَّ غيرُهم وذهبوا وراءَ واحدٍ قيلَ إنهُ من الأقوياء الذين لهم من الأذرعِ ما يتعدّى حدودَ القرية وبالكادِ يبتسمُ ولا يظهَرُ إلا لبعضِ الناس في جنحِ الظلام، ونادى أحدهُم على الرجلِ بأن أمراً قد حدث في بيته فترك الديوان.
حَضَرَ الضيفُ وغادر ولم يَرَ أحدٌ منذ ذلك الوقت ظريفَ الطول، قيلَ على لسانِ بعضهم إنهُ قد سكنَ جبلاً، وقال آخرون إنهُ في رحمِ الأرض، وقال آخرون إنهُ قد سكنَ في عيونِ الأَطفال وصار قصيدة وأُنشودة وبطلاً في الحكاية وفي كُلِّ مكان هو الآن يعيش.
- امتداد
- التعليقات
