أول صورة لصديقي جزار لزهر رحمه في ذاكرتي ترجع إلى سبتمبر 1989في مدرسة بوزيان بن الصغير التي كنت أدرّس فيها، ببلدة ليشانة تحت إدارة السيد عساسي أحمد رحمه الله، كان حينها يدرس في مدرسة لمعافي عبد الباقي بنفس البلدة، فكان يأتيني بحكم أننا بساكرة، نترافق في حافلة حايف، وفي حافلة عمروس، وعندما نرجع في حافلة صيفي صديقه يوصلنا إلى حيث نبغي في جو من المرح والحبور.
عرفته في تلك الفترة شابا أنيقا، نحيفا أسمر، شديد الخجل، ومفرطا في احترام الناس، مهتما بكتابة الأناشيد للأطفال، وتلحينها، بل وأدائها بصوته الرخيم. كما كان مولعا بالرسم، والخط الجميل، يرسم وصفات طبية، وكل ما يخطر ببالك.
عندما نرجع مساء من العمل إلى بسكرة متعبين، ينتظرني حتى أخرج من المنزل، لأضع المحفظة وأصلي العصر، وأغير الثياب، لنبدأ التجوال في المدينة، ولا نرجع إلا عند منتصف الليل، نتعرف على بعضنا ونحن فوق العشرين بسنتين أو ثلاثة من خلال استعراض معارفنا الثقافية، فأعديته بحب كتب مالك بن نبي، التي كنت أطالعها لأول مرة بالفرنسية بعد أن انتهيت منها قبل سنتين بالعربية، لكنه رحمه الله كان معربا، فآثر دراستها بالعربية، وأتذكر أنه نسخ بخط يده كتابا (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي)، وكان كأنه مطبوع من شدة محاكاة الطبعة الأصلية، وكنت أكاد أستعرض عليه الكتاب حفظا.
كما راجع معي كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، لكنه توقف في المجلد الأول، كان مغرما بخطب عبد الحميد كشك، وعرفته على كتب الإمام محمد الغزالي وأشرطته، كما قربته إلى الثقافة الأدبية الحديثة على غرار كتب العقاد ولاسيما روايته (سارة)، واستمتعنا بتسجيل لهذه الرواية من إذاعة بي بي سي، وللأمانة فإنّ الشريط كان للأستاذ فيصل معامير حفظه الله، يروق للزهر استظهار الكثير من عباراتها التي خلبت لبه، وربطته بالأدب العربي. عندما كنت أستظهر أمامه بفخر ورياء ديوان المتنبي وقصائد طويلة من الأدب الجاهلي التي نسيتها اليوم، كان يشتكي من ضعف ذاكرته، لأن ملمحه علمي يميل إلى االرياضيات والتحليل، هكذا كان يقول، فكان يعتمد عليّ في حفظ الأسماء والنصوص. كما أهديته كتاب (من وحي القلم) للرافعي و قرأه، واسترجعت معه الكثير من قصصه.
كان للزهر فضل التحاقي بالكشافة الإسلامية (فوج الرجاء) بحي محطة القطار بسكرة، كنا نذهب إلى المقر كثيرا، ونلتقي بالقائد بوزيد نوبلي الذي أعرفه من قبل، والقائد فطناسي وشملال وصولي، وغيرهم، وكان لزهر يتطوع بتقديم دروس الدعم للأشبال، كما كنا نلعب تنس الطاولة التي كان النصر فيها متاكفئا، لا يخلو من بعض الجدل في العد أو في قبول بعض الضربات، وكان يتفاعل مع اللعبة، عندما نصل إلى العدد 9 مقابل7،أقول له ناف سات بالفرنسية، فيقول لي بحزم (النافسات في المستشفى أكمل اللعب ساكتا ).كنت أترقب لأرجعها له في أقرب فرصة.
حضرنا عدة سهرات كشفية، وأنشطة ترفيهية وتوعوية في غاية البراعة، ولا يمكن أن أذكر العمداء الأفاضل الكبار الذي كنا نلتقيهم حتى لا أنسى أحد الأسماء.
سافرت معه ضمن أنشطة الكشافة إلى قسنطينة و باتنة وتازولت، وإلى العاصمة، حيث زرنا مقر القيادة الوطنية للكشافة، وزرنا العميد المرحوم المجاهد رضا بسطنجي في ضيافة من نوع خاص، برفقة العميد طالب فريد، وزراري الوردي. كما سافرت معه مرات لا تحصى إلى العاصمة وورقلة والجلفة، وتعرضنا إلى خطر العاصفة الرملية مرات عديدة فيها احتمال الموت. أتذكر مرة رجعت ليلا معه في سيارتي، كنت أقود بسرعة 10كيلومترا في الساعة، وكان يخرج رأسه خارج النافذة ليوجهني حتى لا أنحرف عن الطريق المعبدةإلى الرمال أو تصدمنا الجمال، نجونا حينها بأعجوبة.
تعرضنا أيضا للخطر عند العودة ليلا من الجلفة في عاصفة ثلجية خطيرة، صادفنا في الطريق أكثر من عشرة حوادث، كدنا نموت بسبب الأرضية المنزلقة البيضاء ليلا، لا معالم تهديك، وعجلات السيارة تدور في الفراغ، فينزل هو والمفتش موسى بودراس والبار جمال (عبد الرحمن) ليدفعوا السيارة، فتعاود السير بأعجوبة.
كان له فضل اهتمامي بلعبة الشطرنج، وتعرفي على الأستاذ شماخي محمد والسيد جنان والسيد جلاب في رابطة الشطرنج، وأتقنت اللعبة واستهوتني فترة طويلة، وتابعت مسابقاتها ودوراتها.
عندما كبرنا أصبح يبتهج حين أناديه مرحبا بحاج بيت الله الحرام، وهو يناديني بـ (بوقمبيزة) يقصد به صاحب القبعة الطويلة الدالة على العلم والدهاء، حسب مصطلحه طبعا، ويعجبني الأمر كذلك.
جمعتنا بلدة ليشانة معلمين، ثم مديرين، ثم جمعتنا ورقلة في التكوين في سلك التفتيش في غرفة واحدة مع السيد المفتش البار عبد الرحمن (جمال)، وكنا نذهب كل سبت مساء، ونرجع كل خميس في سيارتي، تدور بيننا أحاديث تشفي الأمراض لحلاوتها، وكنا كلما خرجنا من بسكرة، ووصلنا إلى تلة على يميننا قرب بلدة أم الطيور، وجدنا شخصين جالسين على صينية شاي، ربما كانا هما أيضا ينتظران مرورنا.
كان يفرح بكل نص أكتبه، بل و يقرا فيه معاني أكثر مما يحتمله، لأن مكانتي الأدبية عنده في مقام مرتفع، كما يطلعني على كل نصوصه و يمنحني شرف إمكانية تعديلها، ولكن كان يصر أحيانا على عبارات بعينها يعتبرها مفتاحية ، بينما أراها مثقلة، أو حشوا، ولم يكن رحمه الله يتنازل أحيانا على بنات أفكاره، بل يحتج على بعض عبارات نصوصي بفكاهة كعادته، وقد أصر على أن أصدّر له كتابه(اعترافات حمراء)، و أن أقدمه للجمهور في الندوة الاحتفائية به، وأعتقد أنني لم أقصر في المهمة.
ما يعجبك في لزهر هو طموحه غير المحدود، سواء في العمل الإداري أو التربوي، أو في مجال الإبداع، يكتب كل يوم بفكرة جديدة، عندما كان يشكو من عدم تمكنه من اللغة بالقدر الكافي، يذكرني صراحة بأن ما بيننا هو تلك الفترة التي كونت أنا فيها نفسي، كان هو في العمل الخيري في جمعية (دير الخير وانساه) و الحصص الإذاعية، و الأنشطة الكشفية، والهلال الأحمر، و كذا الاشتغال بالجانب السياسي.
نشر نصوصه في مجلة أصوات الشمال ، وفي مجلة لملمة، و في المواقع الأدبية الكثيرة، وكذا في الجرائد الورقية محليا وعربيا ، كما اشتغل مؤخرا في جريدة (الوسيط المغاربي)، ونشر فيها نصوصه، ثم نصوص زملائه، ثم اهتم بالحوارات و المقالات، و قد كلمته في أواخر رمضان للتوسط في قضية إنسانية، وكعادته قال متحملا الأعباء الإدارية (ما أذا أقول لك يا بوقمبيزة، هل خيبت ظنك مرة في حياتي؟ بينما طلبت منك فقط حوارا في جريدة الوسيط المغاربي، وأنت تتهرب)،و يعلم الله أنني لم أكن أتهرب، فالسبب أنني لا أجد ما أقوله، كما لا أعتبر نفسي أهلا للبروز دون عمل جديد أرضى عليه ، وقد لامني الكثير من الأصدقاء الذين عرضوا عليّ نفس الأمر في جرائدهم، وليتهم يقتنعون.
رحمة الله عليك أخي لزهر.