أمام المرآة يتعارك هو والحيرة من أجل أختيار ما يرتديه، الليلة لقاؤه الأول بخطيبته الذي حذره منه كل الأصدقاء , فالإنطباع الأول يدوم أكثر , تمام السابعة مساء ينتظرا تحت بيتها , تهل كالبدر في تمامه يفتح لها باب سيارته , يحاول استرجاع نصائح صديقه الوحيد , ” لازم تشوفك قدامها أسد يا صحبي مش سوسو ” …
ضحك في قرارة نفسه وقرر أن يظهر أمامها على طبيعته.
رجل بسيط يؤمن بأفكاره ، لا تعنيه ثقافة الآخرين بقدر ما يؤمن هو بما يريد وما يعتقد.
لم يكن من النوع الذي تستهويه الطريقه التقليدية في الإرتباط حيث يتولى الأهل اختيار الزوجة المناسبة لابنهم كما يريدون.فتاة ذات جمال، العائله من وسط مميز ، وتلعب المصالح المشتركة الدور الأكبر فيها ،وربما روابط تبنى على صفقات عمل مثاليه، أو يدين الأب لتلك العائلة بمعروف قديم وأراد أن يكافئهم منذ زمن،وها هي الفرصه مواتية الآن.
والدته مريضة منذ عشر سنوات ، لزمت الفراش وتريد أن ترى فلذة كبدها في قمة سعادته وأستقراره. قد تغادر الدنيا في أي لحظه، ثم إن الأبتسامه فارقتها منذ زمن بعيد.
أراد أن يصنع شيئاً جميلاً لتلك العظيمة ولو على حساب مشاعره.
ردد في نفسه مرات ومرات..السعادة أن تصنعها لمن حولك، حتى لو كان قلبك يحترق ويموت لا تكن أنانياً واصنع الفرحة لوالدتك المسكينة.
كانت الأفكار تتضارب في نفسه وأمسى الحلم الجميل الذي رسمه وهو يناجي القمر مجرد سراب وأحلام يقظة،وهم كبيركقصص حب رائعة لا توجد إلا في بطون كتب العشاق بداية رقيقه ونهاية فصولها الفرح واللقاء..
لكن ، لا تسير حكايته بهذه الطريقة ،فالنهاية ستكون حقاً مؤلمة وموجعة.
إختار المكان الذي أعتاد أن يجلس فيه مع تلك الفتاة البسيطة التي أحبها بصدق، ولم يكن والدها من رجال الأعمال أو من أصحاب الدثور والأموال أو ذي مكانة مرموقة في المجتمع ، رجل ناهز الخمسين عاماً، يبيع الكتب في كشك صغير على ناصية الشارع المزدحم في وسط المدينة.
اعتاد أن يتردد عليه ليشتري كتاباً يقرؤه ، وهناك ، بين الكتب رآها لأول مرة، إبنة ذلك البائع المتواضع، فتاة عشرينية تذوب حياء، رائعة الجمال، عاشت بين تلك النفائس القديمة ترتب الكتب المتناثرة هنا وهناك كفراشة تنتقل من زهرة إلى أخرى فتترك الأولى تهتز حسناً ،وتزيد الثانية رقة وعذوبة.
كانت النظرة الأولى ، ثم بدأ كل شيء.
تورد القلب وجاء ربيعه على غير موعده، رقصت الأرواح وضحك لهما القمر،تواعدا على الزواج ونسجا من خيوط شمس حلمهما أرق الأمنيات وأعظم قصص السعادة…
وصلا إلى المكان ، ركن سيارته وجلسا على طاولة تطل على النهر مباشرة.
تحدثا ساعة من الزمن،مجاملات وأحاديث ربما بدت أنها باردة جداً.
الدفء يلف كل من بالمكان، ضحك ورود ياسمين وقصص غرام ، بأستثنائهما فقد كان شتاؤهما حاضراً ، وخيل إليه أن النهر توقف عن الجريان وتبدل لونه إلى السواد.
في تلك اللحظات القاتمة قرر المغادرة،.أوصلها إلى منزلها ثم عاد سريعاً إلى غرفته جمع كل الكتب والأشعار والمحابر والأقلام… ووأدها حية.
- بائعة الكتب
- التعليقات
