تجاذبنا الحديثَ عن الأيامِ الخوالي وأيامِ الدراسةِ، استمتعَ هو بالذكرياتِ، بينما أثارَتْ غُصَّةٌ في حلقي.
جئتُك مريضًا، بركانٌ مشتعلٌ لا يهدأُ يفورُ في صدري، تتسابقُ حممُهُ الملتهبةُ لحلقي فتكويهِ وتتعداهُ لفمي وأنفي فأشعرُ أن روحي ستغادرُني، العيشُ لا يطيبُ لي، أصبحَ الليلُ مصدرًا للأرقِ، لا أنامُ بالأيامِ وتصاحبُ نومي كوابيسٌ مرعبةٌ، تتجسدُ جهنمُ أمامي، الطعامُ المصدرُ الأولُ للألمِ.
الثورُ الهائجُ لقبُهُ الذي كنا نُطلقُهُ عليه، غبيٌ بطئُ الفهمِ، يستمدُ جبروتَه من سطوةِ أبيهِ، الكلُ يحسبُ حسابَها، تَزعَّمَ عصابةً من أقرانِهِ، رُغمًا عني يسرقُ أدواتي وجهدي في التحصيلِ، تفوقْتُ فأصبحتَ طبيبًا مشهورًا، توَّجَ فشلَهُ بلقبِ وزيرٍ.
= اطمئِن يا صديقي سنُجرِي لك بعضَ الفحوصاتِ العاجلةِ، ونكتُبُ لك العلاجَ.
تكرَّرَتْ الزياراتُ، وتكرَّرَ الدواءُ غالي الثمنِ المستوردِ من الخارجِ دونَ تحسنٍ.
زرتٌهُ في منزلِهِ، طاقمُ حراسةٍ في كشكٍ أسفلَ العمارةِ، صاحَبونَني حتي بابِ شقتِهِ.
– احترتُ في علاجِكَ يا سيدي، ما تعانيه حالةً بسيطةً، ارتجاعٌ معويٌ يسببُ حموضةً، حيرَتْنِي حالتُكَ، راسلْتُ كلَ الجهاتِ الطبيةِ عن علتِكَ، الجميعُ وصفَ ما أصفُهُ لكَ من علاجٍ، أُعيدُ عليكَ سؤالًا سألتُكَ عنهُ كثيرًا، هل تتناولُ ما لم تصارحْنِي به؟
صمتَ وأطرقَ برأسِهِ أرضًا، طالَ صمُتُه حتي ظننْتُ أنَّه لن يتحدثَ ثانيًا، نوبةٌ مفاجئةٌ من البكاءِ انتابَتْه، شعرْتُ بضعفِهِ رغم ما يحاولُ أن يبدِيهِ من قوةٍ، اضمحلَّ الرجلُ وانقشعَت سطوتُهُ، بالكادِ استطاعَ أن يتحدثَ:
– مسئولياتي كثيرةٌ و جسيمةٌ، شعوري بالفشلِ يجعلُنِي في قلقٍ دائمٍ، لا أنامُ ولا يجدِي معي المنومُ، عاقرْتُ الخمرَ لتساعدَنِي.. أدمنتُها، استعنْتُ بالمشعوذين فزادونِي رهقًا، سكَتَ وابتلعَ ريقَه ثم أردفَ متابعًا:
– كلما رأيتُ بوابَ العمارةِ يغُطُ في نومِهِ على دكَتِه الخشبيةِ في مدخلِ العمارةِ، حسدتُه، وتمنيتُ لو تمدَّدتُ مكانَه.
نفدَ الخمرُ؛ طلبْتُ البوابَ لشراءِ زجاجةٍ، رفضَ بحجةِ أنَّ الخمرَ حرامٌ وأنَّه سيحملُ وزرَ حملِها، لطمْتُهُ على وجهِهِ بشدةٍ، توعَدَّتهُ بالطردِ من خدمةِ العمارةِ .
عُدتُ من العملِ، وجدتُ البوابَ يتسامرُ مع والدتِهِ، هَبُّوا واقفين فورَ رؤيتي . صحتُ فيه :
-(لِمْ كراكيبك وغادرالعمارة).
وقفَ منتصبًا أمامي، بدا لي عملاقٌ، انكفأَتْ نفسي داخلي وتضاءلتُ.
لطمَهُ أحدَ حراسِي عدةَ مراتٍ حتى سالَتْ الدماءُ من فمهِ وأنفِهِ .
صرخَتْ والدتُهُ، نَظَرَتْ في عيني، قالَتْ:
– يا ظالمُ .
سَرَتْ رعشةٌ شديدةٌ في كلِ كيانِي، كلماتُها زَلْزَلتْنِي خِفتُ، تنبَّهتُ وهى ملقاةً على الأرضِ وطاقمُ الحراسةِ يقوم بركلِها ولكَمها، ارتمى ابنُها فوقَها ليحميَها فنالَه الكثيرُ.
بكَتْ المرأةُ ونظرَتْ إليََََّ حتى شعُرتُ أنها تَخَلَّلَتْنِي، بصوتٍ واهنٍ نَطَقَتْ:
– (إلهي تِتحرِق بالنار في الدنيا و الآخرة) .
-غفوتُ، رأيتُنِي أساقُ لجهنَّمَ وخَزَنَتِها يضربُون وجهي ودُبري.
لَمْلمْتُ أوراقي ومُعداتِي. نظرْتُ إليه مشفقًا عليه:
= لا علاجَ لكَ عندي يا سيدي