فرغت الست مديحة من إطعام أولادها بعد عودتهم من المدرسة .. دخلوا لغرفهم لكي ينالوا قسطا من الراحة تمهيدا لمواصلة استذكار دروسهم .
تركتهم للنوم وجلست بغرفتها بإنتظار عودة زوجها المهندس عمار من عمله .. وهو الرجل ذو الأربعين عاما تقريبا وإن بدا أصغر من سنه رغم زحف بعض الشعر الأبيض إلى جزأ ليس باليسير من رأسه .. مازال قوي البنية عريض الكتفين مفرود الصدر .. وجهه باسم دائما ولاتجد عليه علامات الإرهاق والتعب بعد وصوله للبيت ويبادل بعض كلمات رقيقة مع زوجته .. تشي نظرات عينيه وابتسامته بكثير من مكنون قلبه ..
تفكر كثيرا في كل هذه الاشياء وهي متكئة على أريكة زرقاء مريحة بغرفة نومهما الواسعة المطلية باللون الأزرق الفاتح والذي يبدو أنيقا مع أثاث الغرفة الأبيض والذي يعطي إنطباعا بهدوء جميل يغلف حياتهما .
كل قطعة أثاث إختارتها بعناية وحب هي وزوجها خصوصا الستائر الزرقاء ووضعتها في تناسق لايغادر كل ركن بالغرفة لترسم لوحة بديعة لفنان راق ..
المنظر العام للغرفة يبعث برائحة أخاذة كأنه عطر معتق جدا .. يوحي بجو شاعري كأنه قطعة من الماضي الرومانسي إنتقل إلى عالم الأحياء .
بينما هي متطامنة في جلستها هذه قفز لمخيلتها شريط ذكريات طويل ممتد لأكثر من عشرين عاما يصل لفترة ما قبل زواجهما بخمس سنوات .
طالبة صغيرة في نهاية المرحلة الثانوية وتحديدا بعد ظهور النتيجة حيث تداعى لذهنها كم كانت فرحة جزلة بما حققته من نجاح ستدخل على أثره الجامعة لتحقق طموح والديها وقد إعتبروا نجاحها ودخولها الجامعة هو تتويج لكل ما بذلوا من جهد في تعليمها وتربيتها .
ذاهبة بنشوة النجاح لمكتب التنسيق العام تحمل أوراقها في حنان وتخاف عليها كأنها طفلتها الصغيرة تخشى عليها وتضمها لصدرها لتحميها من أي مكروه .. تسير كعادتها بتمهل وتؤدة وإن كان سيرها دائما في خطوات جادة .. وأخيرا تعثر على رفيقات المدرسة بإنتظارها .
إقترب منهن شاب بمثل سنهن وسيم طويل القامة .. ألقى التحية بأدب جم .. فطبع في مخيلتها شئ ما فيه يشد الإنتباه إليه .. قد تكون علامات الإعتداد بالنفس المرسومة على كل قسمات وجهه والتي تتضح أكثر في كل خطوة يخطوها يتخايل بنفسه .. أحسته وكأنما يقول ليس هناك أحد غيره على هذه البقعة من الأرض .
ردت تحيته ببساطة وبلا تكلف واستأذنت للعودة .. استوقفتها احدى صاحباتها للبقاء والحديث معه فقد كان قريبا لها وبدات في التعريف بهما .
– هذا ماجد ابن عمتي نجح هذا العام بمجموع مرتفع جدا وسيلتحق بكلية الطب .. وضحكت وهي تقول ذلك كانما هي نكتة أو رغبة غريبة .
– وهذه صاحبتي مديحة .. وابتسمت له مكملة وهي أعز صديقاتي .
وبعد اهلا وسهلا وترحيب طال بينهما الحديث عن الثانوية ورغبتها بدخول الطب وعدم استطاعتها ذلك فقد خذلها مجموعها ولذا قررت دخول كلية التجارة قائلة بيأس أمري إلى الله .
دارت مناقشة طويلة بينهما عن أسباب حبها لدراسة الطب وأسباب رفضه هو لنفس الدراسة وتفضيله الهندسة ..تبادلا كثيرا من الآراء التي أبانت ميله للهندسة وعدم تفضيله لدراسة الطب حتى بالنسبة للبنت .. وصدمتها هذه الفكرة ودافعت بشدة عن حق البنت في أن تتعلم ما تريد كما ترى وأن ذلك لن يكون عائقا بينها وبين القيام بمهام تربية الأولاد ورعاية الأسرة .
تتذكر أنها أحست بالإستفزاز حينما أراد أن يقنعها بفكرته لما قال ان إنتظار المرأة لزوجها بالبيت وبشاشة وجهها هما بلسم يمسح كل تعب العمل .. ورغم أن كلامه كان رقيقا جدا إلا أنها دافعت بشراسة ضد هذه النظرية .
ولما إحتدم النقاش سكت تماما .. وما كان منه إلا ان تمنى لها دراسة سعيدة رغم أنه كان يتمنى أن يدخل كلية الهندسة ولكنها رغبة الوالدين بالطب .. تضاحكا للمفارقة فمن يريد شيئا لايستطيعه لأسباب خارجة عن إرادته .
تتداعى الى ذاكرتها بقية القصة كما لو كانت تحكيها لنفسها مرة أخرى .
ولاتنسى يوم أن رأته مصادفة بالشركة التي تعمل بها فما كان منها إلا ان رحبت به مستغربة أن يكون له صلة بشركة مقاولات .
قص لها كيف أن دراسته بالطب تعثرت وتحول للهندسة ونجح بامتياز وها هو مهندس مرموق له أعمال متشابكة مع شركات كثيرة .
سألها بعد أن قص عليها قصته ببساطة :
– كيف حالك وماذا فعلت الأيام بك ؟ ابتسم في هدوء .
– الحمد لله .. تخرجت من التجارة من عشر سنوات وتزوجت ولدي طفلين بالمدرسة الآن . ردت في عفوية بالغة وبادلته سؤالا بسؤال :
– وماذا عنك أنت ؟ خمسة عشر عاما مرت دون أن نعرف عنك شيئا ؟
– تزوجت … هههه ولسوء أو حسن حظي .. من إنسانة رقيقة وجميلة وبها كل الصفات التي يتمناها أي إنسان . قالها بنبرة أسى رسمت على وجهها علامات تعجب كبيرة .
– نعم لاتتعجبي من لهجتي فقد تزوجت طبيبة .
كتمت ضحكة في مهدها حتى لايتضايق .
– قمة المأساة ان الذي لانحبه ونصل لدرجة التعصب ضده نجده مفروضا علينا من الظروف . قالها وصمت قليلا .
– ليس لهذا الحد يا باشمهندس . على الأقل هي مليئة بصفات جميلة جدا كما تقول وهذا كاف جدا لكي تستمر الحياة بينكما رغم رأيك بعمل الطبيبة .
– مع الأسف نحن نعيش كالغرباء أو على أقل تقدير معرفتنا ببعضنا سطحية جدا .. قد تقتصر رؤيتنا لمجرد إلقاء تحية الصباح أو المساء .. نذهب سويا للعمل ولايتاح لنا تبادل أي آراء أو مناقشات لأن كل منا مشغول بهموم عمله رغم أنني أقتطع كثيرا من وقتي لكي أعود للمنزل مبكرا .
– وتكونن قمة المأساة حينما اجدها متأخرة لظروف العمل .. وكثيرا ما أضطر لتناول الطعام وحدي .. ولكن للحقيقة هي تجهز الطعام وتضعة بالثلاجة وأنا علي أن اسخنه أو آكله باردا كيفما أتفق .
– ولا أخفي عنك سرا إذا قلت أننا لم ننجب للآن بسبب تأجيل ذلك حتى تستقر أعمالنا وحينها تستطيع أن تتفرغ للإنجاب وتربية الأطفال .
إنتهى من كلامه كأنما كان يضع ثقلا على قلبه وأعصابه .
– صبرا وسوف يأتيك الفرج بإذن الله .
قالتها بتأثر كبير وهو أيضا لم يجد في نفسه رغبة للحديث فأستأذن منها .
تتذكر كيف تأثرت بقصته كثيرا وظلت طوال اليوم تفكر فيها وتتداعى إلى مخيلتها صورة زوجها وأولادها كما لو كانوا زهورا يانعة تنمو في حديقتها وتقوم هي برعايتهم وتشم أريجهم كلما همت بعمل أي شئ لهم حتى لو كانوا بعيدا عنها بمسافات كبيرة .
عادت جزلة متفائلة لبيتها ولاتدري ما أسباب هذا التفاؤل رغم جو العمل المزدحم بكثير من المسؤليات والتعب .
لم يكن أبناءها قد عاوا من المدرسة ولذا بدأت بتجهيز الطعام ريثما يصلوا .
قابلتهم بالأحضان ودموع منهمرة تعجبوا منها .. ودار في خلدها أن تشكر الله كثيرا أن أعطاها الزوج والأولاد وراحة البال رغم تعب الحياة نفسها.
أفاقت من ذكرياتها على جرس الباب .. قامت على الفور لتفتح الباب رغم علمها بأنه زوجها ولكنه إعتاد رن الجرس بطريقة معينة رغم وجود مفاتيح معه وكما أخبرها هو يحب أن تكون أول من يقابله حين عودته .
بش وجهها لإبتسامته وسلامه عليها وعناقه لها .. قبلها على جبينها فأحست طعم السعادة الحقيقية .
جلسا للمائدة وأخذا يتبادلان حديثا عذبا عن ذكرياتهما القديمة .