كم كنت فرحةً بهذه الرحلة التي قرّر لها زوجي الشيخ وأحبّ اصطحابي معه. المسافة طويلة ولكنّ سعادتي كانت لا توصف فأنا زوجة الشيخ المثقفة الفاهمة والعارفة بإمور الدين والساعية للدعوة يصطحبها زوجها إلى العُربانْ.
القرية رائعة ورائحة الروث والدجاج يهب معها نسيم عليل تفوح منه رائحة قداح النارنج والبرتقال، مع رائحة ترابٍ رُشَّ للتوّ ممزوجة بعبقِ الأصالة والبساطة والجمال…هذه الأمور تُسحرني فكنت أسير كالنعام متبخترةً يسير بي جلبابي الأسود بعدما ابيّضَت أذياله وكأنه تعمدَ سحبَ التراب وميزات الجمال فيه.
(الديوان) كان كبيراً يسعُ الكثير من الرجال، فأعدوا لزوجي متكئاً يليق به وبمكانته. أما الزوجات الأربع فقد جعلنَ لي مكاناً مميزاً في مقدمة غرفة ضيوف النساء، بعدما جلست كبراهنّ بجانبي.
نساء كثيرات من زوجاتً وكنّات وبنات وحفيدات، وضيفات جئنَ فضولاً أو حباً للدرس، هكذا بدا لي من نظرات وجوههنّ.
الشيخ يعطي درسه في الديوان، بينا أنا بدأتُ حديثي بالصلاة على محمد وآل محمد.
استغربت لحالة لم أعهدها في كل درس حضرته زمان، وهو أنهن كلهن يستمعن لي وهنّ فاتحات أفواههنّ، لدرجة أن الضحكة (على طارف لساني) يمسكها خجلي من الخروج. قطعت احساسي هذا كبيرتهنّ حين قالت: ياشيخة، استمعنا للحديث وفهمناه، وبقي لنا أن نحدثك نحن، قلت: هاتِ. فأكملت: نحن لا نطبق هذا كله، فنحن حين نعمل نؤخر صلاتنا إلى أن ننهي كل مهمتنا في البيوت وإلا لوبخونا وضربونا. ثمّ أننا بصراحة لا نفهم الحلال والحرام هذا الذي تقولينه، الحلال عندنا ما يؤمرونه والحرام ما يمنعونه. الرِجال هكذا خلقهم الله، ونحن جُبلنا على هذا وسعداء به. ردت إحداهن في آخر صفٍ: ولو لم يضربونا يوماً لا نرتاح ولا ننام، تبعَ كلامها ضحكهنّ بخجل واضعاتٍ الفُوَط على أفواههنّ.
لم أعرف كيف أردّ، ولكنّ زوجي هناك كان يعطيهم درساً في الوعظ موصياً إياهم بمساعدة النساء واحترامهنّ وعدم وضع كل حمل الأعمال اليومية عليهنّ. كان كبيرهم يقول: ياشيخنا، الرجل مكانه الديوان، وليس رجلاً من يحمل طفلاً ويدخل المطبخ. ياشيخنا، بربك اترك هذا الكلام فأنت الآن تعلمهنّ العصيان لو سمعنك.
قال الشيخ الكثير، وقلت وأنا زوجة الشيخ الكثير، لكنّا كنّا وكأننا ضيوف ثقلاء ودعاة فاشلون متطفلون.
النساء ثرثرن كثيراً، وبدأن أحاديث خاصة عن رجالهنّ، استلم على اثرها زوجي مني رسالة عبر الجوال، فحدثهم: علموا نساءكم عن حرمة الخوض في ما يدور بينهن وبين أزواجهنّ عندما يجتمعن، وليعوّضن هذا بمدارسة القرآن. نطّ أصغرهم: والله يا شيخ لا تحلو الأحاديث إلا بهذا.. فضحك الجميع بصوت عالٍ جاملَتْهم ضحكة زوجي معهم.
رجعنا نجرّ أذيال الخيبة أنا وهو. كان طريق الرجعة هادئاً بدون كلمةٍ مني ومنه. كان شيء داخلي يقول له: أظنهم سعداء.. وبدا لي أن شيئاً بداخل زوجي يرد: نعم، إنهم الأسعد.
دخلنا البيت، فإذا المطبخ مقلوباً رأساً على عقب، والبيت كله(مهووس) الأولاد نائمون على أريكة الصالون، وجهاز التلفاز يشتغل وصوته عالٍ.
زوجي استلقى على السرير يفكر، وأنا
استللتُ نفسي وأدخلتها تحت اللحاف.. ادعيتُ النوم، ولم أنبس ببنت شفة.