مُنْهَكا يعود..
يتأبّط عصا تشارك قدمه الثّكلى الخطى منذ ذاك المساء ..
ألفى نفسه جسدا مبتورا ينضح دماء، وتلوكه أوجاع.. ساقه اليمنى مجتثّة، ملقاة بعيدا.
كثَمِل يستجدي وعيا تحسّس جسمه، غارت أصابعه في فجوة الرّكبة المنكوبة، تاه في ثنيّات الألم..
تراقصت أمامه أشلاء الصّحب، والأديم تحت أقدامهم يولول مجامرَ، والسّماء فوقهم تمطر لهبا..
وجلة امتدّت راحته إلى معصمه.
ابتسم، ربّت على المنديل. فكّ عقدته، أدناه من وجهه، تشمّمه، قبّله ثمّ أودعه بقايا ركبته النّازفة..
تراءت له شجرة باسقة أغرته سواعدها وجدائلها المتماوجة مع هواء بارد مندلق من حنايا الجبال القريبة، حبَا نحوها، احتضن ساقها، توسّل إليها.
رفعته، بَتَرَ ساعدها الغضّ..
منهكا مبتورا يعود..
كم طالت غربته؟ لا يذكر.
كانوا يتراؤون له كالأطياف والسّيّارة تنأى به عنهم..
كانت تتراءى له نجما منتفضا ذات هجمة فجر.
بالدّعاء تزوّد منهم..
منها ما تزوّد بغير منديل شعرها ولمسة لوليد ما يزال في الرّحم يتبرعم..
فرّت منه عبرة، مضى بنبض يهُبّ إلى أمّ تستنجد به لطَرِفها المُداس نائيا عن حبيبة بات خافقها للفقد مَداسا..
احتضن المنديل وهتف مع الهاتفين “لبّيك يا وطن”
منهكا مبتورا مشتاقا يعود..
يتوقّف أمام الباب، تلعق عيناه أصوات الغياب، تتحسّس أذناه رائحة الحياة.
لا عبق…
يحرّك الرّتاج، ينفتح الباب، يلج الدّار تحت زخّات أنين الخشب.
يصفعه الخواء..
مذعورا ينطّ إلى باب قريب، يفترّ ثغره وهو يرى أمّه تهدهده، تمسح على
رأسه، تردّد “صغير كرأس والده.. ولد يرث النّفائس وولد يظفر برأس”
يضطرب خافقه، يطلّ برأسه يروم أن يفاجئها.
يصعقه السّراب..
ينطّ فزعا إلى غرفتهما، مشرعة الباب على غير العادة، عناكب بَنَتْ على فراشهما بيوتا..
يمتدّ إليه عفريت الفقد.. يطوّقه، يلفّه، يعتصره، يشرق بلوعات، يجاهد قبضته المحكمة، يحاول الإفلات منها، تخور قواه، يستنجد بجدار قريب، يتداعى كطين مشروخ بلا رائحة..
“منهكا مبتورا مشتاقا ملتاعا تعود..”
تنوح الدّار.
“رحل الأهل..
عانقوا المجهول..
وليد في القماط ملفوفا امتطى صهوة الهرب إلى حياة..
أنّى تعود؟!”
تسائله نسائم الدّار..
“لا بخور..
لا مسك..
لا عنبر، لا فوح خطى الحبيبة بين يديك ترفل، وشذى الأمنيات عصفت به صرصر..
أتراها تعود؟”
تتمتم وردات ذوت شموعها في مزهريّة حبلى بالحنين..
يصيح في وجه الخواء: “مبتورا أذبّ ضباع الدّجى عن الشّمس أعود”.
يردّد:
” على صدر دارنا ما يستحقّ الحياة..
في النّبض حبيبتي فجر ينضح بالمنى”
يشمّر على ساعده، يرمّم الدّار، يهيّء صدرها للعائدين، يزرع على الشّرفات حلما وغدا لا تغيب شمسه فزَعا..
- ترانيم عشق
- التعليقات

