احتضنتني بعينيها قبل أن أميل على يديها وأغمرهما تقبيلا ، ارتميت في أحضانها وبكيت كما لم أبك من قبل ، قاربت على الستين ولدي أحفاد و مازلت أخشى اليتم ، لم أتحمل فكرة موت أمي ولم أفكر بها من قبل ، ورغم البعد وتباعد فترات الزيارات بيننا ، إلا أنني أحس بكثير من الأمان طالما أمي موجودة ، آخذ بركتها بشكل يومي وأظل أتحدث معها لمدة طويلة ، و يستعجب أبنائي من تصرفي، رغم حبهم لها وشعورهم بالشوق ، فمازالت ذكريات زيارتها الأخيرة تجري على ألسنتهم لأكثر من عامين ، مدت يدها تمسح عيني لتزيل بقايا دموعي التي بللت خديها ويديها ، أجهشت أختي الكبرى بالبكاء ، قالت جملتها التي هزتني : الحمد لله إني شوفتك قبل ما أموت .
لمحت في عينيها نظرة رضا واطمئنان لم أرى مثلهما من قبل ، كأنما تسلم نفسها لقدرها مرتاحة ولا تريد شئ بعدها ، عم صمتنا المكان و لم أجد ما أقوله ، نظرت لأختي فوجدتها تنتحب في صمت ، ربت على كتفها ودعوتها لأن تستريح في غرفتها ، أومأت لي أمي أن أجلس بجوارها ، أمسكت يدي براحتها مشجعة لي على الحديث ، إنطلقت أتحدث معهما عن ذكرياتنا القديمة وطفولتنا السعيدة .
أخذني حماسي للحكايا لتقمص شخصية أمي ، لها طريقة رائعة في سرد حكاياتها الجميلة عن جدتها ، وعن أمها وأبيها وما كان يحدث من بداية ولادتها حتى زواجها ، وكانت عيناها تلتمعان بنظرة رائعة مازلت أذكرها حينما كانت تتحدث عن أبي ، وبداية معرفته بهم حينما جاء للمدينة لدخول الجامعة ، وسكن بالسطوح وكيف أكرمه جدي وإعتبره ابنه ، ثم تصمت عن إكمال الحكاية حتى نلح عليها ، ويضحك أبي ويقول لها عن حيله لكي يكلمها ، وحيلها الصغيرة للفت نظره لها .
تنظر أمي لي بعينين واهنتين أضناهما المرض ، وتتمتم وتوميء لي أن أستمر .
حكيت لها عن شقاوتنا أنا وأخوتي ، وما كنا ندبره من مقالب لها ولأبي ، ورغم أنه كان جادا بعمله إلا أنه كان يعشق المزاح معنا .
كان الجو غائما وبدأت قطرات المطر تتساقط على زجاج الشبابيك ، وبدأ الشارع يبتل وزادت حركة السيارات ، أعادني المطر لذكريات الشتاء ، حكيت عن جلساتنا أمام ( منقد النار ) نتدفأ جميعا ، وتقمر لنا أمي الخبز الجاف نلتهمه مع ( الدقة) الرائعة التي لا يضاهي طعمها أشهى الجبن ، عن جلساتنا للسمر بأجازة نصف العام ، وعن زيارات أقاربنا وعن كل متع الشتاء .
تململت أمي في فراشها ، فهمت حاجتها لتغيير ملابسها ، خرجت أتفحص البيت الذي عشقت كل تفاصيله .
بدأت أجول بالمنزل وأترك بصمة عيني عليه ، أقارن الواقع بمخيلتي ، أمي لاتحب التغيير كثيرا ، خصوصا مع الأشياء التي ارتبطت بذكرياتنا ، وقد اضطرت لتغيير كل شئ ، عوامل الزمن تركت آثارها على الجو العام وعلى كل الأثاث ، حتى الحوائط وألوان الدهانات ، ورغم أنه بدا قيما فلم أحب الشكل الجديد ، كنت شغوفا دائما بغرفتي أنا وأخي .
كانت فرصة رائعة لأمارس هواية قديمة ، أجلس بشباك غرفتنا ، أنا وأخي الأصغر نراقب المارة في الشارع الجانبي ، يتقون المطر ببعض الجرائد والأكياس البلاستيكية ، أتعجب من حالهم ولم أفهم أن الحاجة أم الإختراع إلا بعدما كبرت ، تغير منظر الشارع كثيرا ومات أخي الأصغر ، ولم تعد الغرفة كما كانت رغم عدم وجود تغيير كبير بمعالمها ، فقط سريرين جديدين بمراتب إسفنجية ، لم أستسغ هذه المراتب أبدا فقد أتبعت ظهري من نومي عليها لأكثر من ثلاثين عاما ، آه ثلاثون عاما هي عمر غربتي في أمريكا ، ضحكت من أفكاري العبيطة هذه ، أمازلت أتذكر كل هذه الأشياء ؟
منظر الشارع تحت المطر لم أره قبلا أثناء زياراتي الصيفية ، مازلت طفلا حتى الآن أمام زخات المطر التي تتساقط على زجاج النافذة ، أنفخ الهواء وأتبارى مع أخي فيمن يكتب وتمكث كلماته أطول وقت ممكن ، تنزل زخات جديدة فتمحو كل كتاباتنا ، نشعر بالضيق ونصارع المطر بالنفخ مرات أخرى كثيرة على الزجاج .
بينما أنا مستمتع بالمطر حينما زادت سرعته وقوته وكميته ، نادتني أختي لتناول الغداء بغرفة والدتي ، منظر المطر المنهمر كأنما كل صمامات السماء قد توقفت عن العمل ، بدأنا نسمع صوت نزول الماء على الماء بالشارع ، ارتفع مستوى الماء لدرجة أعاقت سير السيارات ، وبدأنا نسمع صوت أبواقها يملأ الأفق منسجما مع صوت البرق ، كانت لحظات رائعة لم يعكر جمالها إلا الماء الراكد بالشوارع ، ناهيك عن الأعطال المتوقعة للسيارات القديمة ، وهي تمثل مشكلة كبيرة لباقي السيارات الحديثة .
حان وقت راحة أمي وأختي وكان الوقت أيضا مناسبا لي لآخذ راحتي بغرفتي .. غرفتي أنا وأخي رحمه الله .. أسلمت جسدي للسرير ملتمسا بضع ساعات من النوم ، كان الوقت ما يزال مبكرا ، فلم تكن قد قاربت الثامنة والنصف مساءا ، بدأت بعض الضوضاء بالشارع ، أصوات خطوات ثقيلة جدا تخوض ببركة المياه ، أقصد الشارع الجانبي ، وقع رجل خمسيني على وجهه في المياه ، بدأت أصوات تنصح ماذا يفعل ، يرفع صوته ساخطا يسب ويلعن البلدية والحكومة التي أهملت بلاعات الصرف ، وآخرون يحسبنون على من كان السبب ، وبعضهم يلعن الفساد والمفسدين ، وآخرون يضعون بعض قوالب الطوب من البناية المقابلة لكي يستطيعوا القفز فوقها بأمان دون الخوض بالماء .
كانت سيمفونية عصبية بتصرفات عشوائية عفوية ، نسيت التعب والنوم وشدني هذا الكونسيرت ، وضحكت من كل ما يحدث ، وأحسست كأني أشاهد ملهاة يونانية قديمة ، يا ربي هل كل هذه الأحداث يمكن أن تتجمع في يوم واحد ؟.
انتقلت من أمريكا إلى منزلنا القديم لكي أشاهد كل ذلك ، ولو حكى لي أحد هذا الموقف ما صدقت ، واستمرت الأصوات المتداخلة بالشارع الضيق تعيد نفس الجمل ونفس الحروف وبنفس الإنفعال ، كأنها أدوار محددة يؤديها طلبة معهد المسرح كل بنبرة صوته .
ورغم توقف المطر استمرت الأصوات النشاز التي تعزف معنى واحدا ، وبدأت تخفت حدة أصواتهم وتتباعد كجوقة شعبية تجوب الشوارع ، حتى هدأت إلا من صوت هنا أو هناك وبالكاد أسمعه ولا أميزه ، لم تكن قد تجاوزت الحادية عشرة مساءا حتى داهمني التعب وأخفاني في تلافيفه فوجدت نفسي غارقا بالنوم ، وماهي إلا لحظات ، أو ما كنت أحسبها لحظات حتى سمعت صوت الموذن لصلاة الفجر وكأنه حلم ، تناهى لسمعي بعض الترنيمات المماثلة لما تداوله المارة ليلة الأمس ، غفوت قليلا لأصحو على الجوقة وقد عادت تعزف الألحان ذاتها بنبرة أعلى و بتنويعات مختلفة .
قمت لصلاة الفجر ، وما إن إنتهيت منها حتى سمعت صوت إستغاثة أختي ، هرعت لغرفة أمي حيث يرقدان بها ، كانت لحظات عصيبة ، لعلها ساعة إحتضار أمي ويا لها من لحظات قاسية ، ومن عجب أن الحزن لم يجد له طريق إلى قلبي وقتها ، كان لابد من التصرف السريع بديلا عن ذرف الدموع ، قامت أختي للهاتف وطلبت الإسعاف ، كان علي أن أقوم ببعض الإسعافات الأولية التي تعلمتها لمواجهة هذا الموقف ، حاولت كثيرا إفاقة أمي ، لم تكن تتحرك ولكن النبض مازال موجودا وإن كان ضعيفا ، أو هكذا تخيلت أنا ، لم أدر ما أقول ، سألت اختي عن كل الأدوية والطبيب المعالج لها ، للأسف كانت تعاني من أمراض الشيخوخة وما أكثرها ، قلت مقاومتها وبدأت أقرأ عليها القرآن ، بل وأطلب منها الشهادة ، رغم أن بكاء أختي وقتها أربكني جدا ، فلم أستطع أن أطالبها بالكف عن البكاء ، هذا رغم أن أمي كانت في منتصف الثمانينيات , ولكن منذ متى نحسب عمر من نحب فنطلب الرحمة لهم ، ومن عجب ان الرحمة هنا تعني أن تموت امي ، ولم اتخيل كيف سأتقبل فكرة موت أمي ، فأنا كنت بعيدا معظم الوقت ، ورغم تباعد زيارتي لها وزيارتها لي إلا أنني كنت أثق انني سأجدها تنتظرني بأي وقت أحتاج أن أراها ، ولكن هي الحياة وعلينا تقبلها ، هكذا أقنعت نفسي وأنا أجلس بجوارها منتظرا للطبيب أو الإسعاف أو كليهما معا ، مازالت الأصوات تتردد ولكن من الشارع الجانبي فتصل ضعيفة واهنة كأمي التي ترقد الآن قريبة من الموت .
طال الوقت بالانتظار حتى سمعت صوت ارتطام مدو بالشارع الجانبي ، نزلت مسرعا لعله أحد ممن نحتاجهم الآن ، بالفعل كانت سيارة الإٍسعاف تقف غير قادرة على التحرك مترا واحدا ، انحشر أحد قوالب الطوب الكبيرة بالشارع تحتها فلم تعد تتحرك ، كانت المياه مازالت راكدة أمام باب البيت ، بل بدأت في تخطي الحاجز العالي المقام لهذا الغرض أمام مدخل البيت الذي إنخفض عن الشارع ، رغم أنه كان يعلو الشارع بأربع سلالم وقت أن كان مرصوفا بالبازلت .
كانت ورطة كبيرة استدعت أن نطلب مساعدة المارة ، ولم يكن الأمر بهذه السهولة ، كان على المسعف أن يصعد أولا لكي يفحص أمي ، غاب الرجل وإنشغلنا في إخراج الحجر من أسفل السيارة ، وأخيرا وقف الرجل ينظر إلينا بحسرة ، كانت السيارة وقتها متأهبة لنقل أمي حينما ألقى الرجل جملته التي لا أنساها للآن : البقاء والدوام لله رحم الله الفقيدة ، وتركتهم لأصعد كي ألقي على أمي النظرة الأخيرة .