وضع قدما مرهقة على قدم متألمة بعد أن جلس على سور نصف مرتفع في إلى جانب الطريق القريب من منزله يتأمل الحركة ساعة الذروة. حانت منه ابتسامة حانية على حذائه الذي فقد معالمه الأصلية ولم يعد له لون ثابت. ربت على شعره الأسود وقبض على الشعرة البيضاء الوحيدة والتي يعرف مكانها جيدا ثم انتزعا للمرة العاشرة منذ اكتشفها أول مرة. وضعها على يده يعد أيامها ويقرأ تاريخه عليها. فوجئ بعملة معدنية تضعها مسنة في يده المفتوحة، ارتبك قليلا ثم غرق في ضحكة ساخرة أخفت تجاعيده المبكرة. أول مبلغ يحصل عليه دون معاناة في الثلاثين عاما التي تزين زهرة عمره.
وسط تعجبه سمع صوتا عنيفا لمكابح سيارة ما، رفع رأسه ثم حدق بعينيه ورفع حاجبيه وهو عاجز تماما عن الحركة، سيارة كبيرة دفعت سيارة أخرى ناحيته، انقضت عليه كوحش كاسر ينفرد بضحيته المستسلمة، كان قابضا على العملة المعدنية الصغيرة بقوة وهو يحاول استعادة كلمات تلك السيدة الغامضة. ماذا قالت؟! أطال الله عمرك؟! حماك الله؟! بل لعنك الله. ماذا فعل ليستحق اللعنة؟! غرق في تفكير عميق وهو يواجه الوحش الكاسر بلا حول ولا قوة.
من جديد استقر أسفل السيارة بعد أن تعود على أن يمارس عمله في تصليح السيارات بعد أن وضع مؤهله العالي في إطار أنيق في غرفة الجلوس بشقة العائلة، لكن هذه المرة لم تكن السيارة مستعدة لتَدخُّله. والأمَرّ أنه لن يحصل على مقابل السقوط أسفلها.
اختفت معالم السماء وارتقى الليل فوق الشمس المسيطرة في صراعهم الأبدي.
هل انتقل بروحه إلى عالم آخر؟!
أجابه سؤال يبدو أنه من عالم آخر: هل أنت حي؟!
حي! بأي مقياس تريد الإجابة يا صديقي؟ وأية حياة تقصد؟ نعم. ربما! لا أعرف. أحس بالسيارة تتحرك قليلا، عرف نوعها من تسلل أنوار الشمس إلى عامود الإدارة السفلي. قطعة فنية نادرة تساوي قيمتها المذهلة، أسعده كثيرا أن يدرك أخيرا أن السيارة تستحق أن تركب فوقه وكل أمثاله.
هل عادت الشمس للظهور؟! أم كانت موجودة طوال الوقت؟ هل عاد الوعي ليسيطر على الجسد المستسلم؟
تسلل إلى سمعه العائد مع وعيه صوت عزف عود هادئ ورقيق، يعشق الموسيقى كما يفعل صاحب هذه السيارة فيما يبدو، هناك قواسم مشتركة بين الأغنياء والفقراء إذن، من الذي يصنع الفارق في أوراق الهوية؟! من الذي يعبث في الملامح المتقاربة فيرسم في وجه وردي لون الحياة اليانع النضر، بينما يرسم في وجوه أخرى نظرات الإنكسار وتجاعيد اليأس وبثور الإحباط.
يد أخرى وصلت إليه مع رفع أخد جوانب السيارة من تجمع للمارة فيما يبدو. كانت الدماء تنزف من جسده كله، لا أحد يعرف هل جروح سطحية أم إصابات عميقة. لم يشعر بقدميه وكأن الوحش الحديدي قد التهمهما. ثم لم يشعر بيديه وبقية أعضاء جسده. وجهه فقط ينسلخ عن ذاته، لسانه يشكو ويئن، عيناه تراقبان بهدوء مثير نفس الشارع في ساعة الذروة. وضعوه على جانب الطريق، أصبح محط الأنظار وقبلة الجميع. تأمل في الملامح المشوهة التي تحملها كل نظرة تحملق فيه ثم تمضي بعد أن يتمتم بكلمات ذات نصل حاد تمر في روحه كما تمر شوكة الصبار في جسد الأيام، وصلت الإسعاف أخيرا. كان آخر ما سمعه من همهمات الجمهور أنه ألقى بنفسه في طريق الحسناء التي كانت تقود السيارة الفاخرة فحاولت تفاديه بكل الطرق،
ابتسم وهو يستعيد إحساسه بأطرافه المهشمة ويحاول التغلب على طوفان الألم الذي يجتاج كيانه، تمتم وهو يسترق النظر إلى الجمهور بحثا عن التي صدمته: المهم الجمال، طالما حسناء سأسامحها. يكفي أنها سمحت لي بمشاهدة دواخل سيارتها الفاخرة التي لا تنكشف إلا على مهندسي مركز الصيانة.