حسن أبو عالية سائق التوك توك رجل أربعيني قصير القامة دقيق الجسم .. تقاطيع وجهه بارزة جدا كأنها منفصلة عن بعضها البعض .. الحقيقة كانت أول مرة أراه فيها ولم أكن أعرفه من قبل فهو يصغرني بأكثر من عشرة أعوام وقد طال السفر ليقطع حبل معرفتي بالأجيال التي جاءت بعدنا في مراحل العمر .. المهم وجدته ينتظرني في موعده تماما وكانت رحلة ممتعة جدا رغم قصرها فلم تستغرق أكثر من نصف ساعة أدخلتني عوالم جديدة علي من حيث الشكل والمضمون .. أحسست بعدها كم أنا بعيد عن تراب وطينة هذه البلد التي نعشقها جميعنا .. ولكن كل بطريقته الخاصة ورغم ذلك مازلنا نتناحر حد التقاتل ظنا منا أننا نحبها أكثر من غيرنا .
المهم سألته كم يساوي هذا التوك توك .. وهل تملكه ؟ قال متنهدا بأنه مستأجر من مالكه الأصلي مقابل ثلاثين جنيها يوميا .
وكانت دهشتي كبيرة فكيف يدفع تسعمائة جنيه شهريا ايجارا لتوك توك لايساوي عشرة آلاف جنيه . بدأ الأمر وكأنه ربح أكثر من تجارة مخدرات .
عالجني بحقيقة أخرى وهو أن مالكه الأصلي هو زعيم الغجر بالمدينة الصغيرة .
وقصة ملكية التوك توك هذه حكاية طويلة … يقول حسن ضاحكا حتى بدت أسنان المعوجة والتي نخرها السوس واسودت بفعل الدخان الذي ينفثه عمال على بطال .
أفهمته أني متشوق لسماع القصة فبدأ يتحدث كراوي متمكن ذكرني بعم جابر أبو حسين في مروياته عن أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة .
في يوم تصادف أن كنت في أطراف مدينتهم لتوصيل أحد أصدقائي .. ورغم أننا قليلا ما نذهب لهذه المدينة لعدم وجود روابط تجارية أو ما شابه بينها وبين قريتنا .. المهم استوقفني شخص طويل القامة بنيته عريضة وتبدو عليه إمارات الوسامة رغم بعض اللون الغامق المتجذر في تقاسيم وجهه ..
كان يرتدي زيا غريبا يشبه ملابس العربان في سيناء .
طلب توصيل بعض أهله لمدينة بعيدة والبقاء معهم طوال اليوم وذلك ابتداء من أول يوم في رمضان حتى بعد العيد .
كنت قلقا خائفا ولست أدري لماذا .. ربما لفرق الجسم بيني وبينه أحسست انه سيبتلعني في جوفه إن رفضت ..
انتهت المفاوضات بيننا على أن ينقدني مائة وخمسون جنيها أجر يومي مع أجر للتوك توك خمسون جنيه بجانب خمسون أخرى مقابل زيت وبنزين التوك توك .
حينما عدت لزوجتي ليلا توجست منهم وخافت علي فقلت لها أنني احتاج لهذا المبلغ لإكمال المباني وشراء توك توك جديد بديلا عن ايجار هذا التوك توك .
لم يمر سوى أسبوع وكان مساء قبل أول يوم رمضان اتصل علي وأكد الميعاد .
في التاسعة صباحا كنت أنتظره في المكان الذي حدده لي . وهناك بدأت القصة .
يقول حسن بدأت الحكاية لحظة أن ظهرت حوريتان من الجنة .. جمال لم أره من قبل .. وبحد تعبيره المصري القح ( يحل من على حبل المشنقة ) واكتفى بهذا الوصف واستطرد في حكايته .
كنا في التاسعة صباحا من نهار أول يوم في رمضان .. ركبت السيدتان ومعهما كيس لم أدر ما به حتى خرجنا من المدينة بطريقنا لنهاية حدود المحافظة من ناحية بورسعيد .. تبادلتا بعض كلمات لم أفهمها ولم أهتم إلى أن قالت إحداهما
.. اركن هنا يا أسطى وانتظرنا خمس دقائق .
انتظرت على جانب الطريق حتى عادتا من وراء كوخ صغير مهجور على رأس أرض زراعية واسعة ليس فيها ظل انسان .
وواصل حسن حديثة قائلا .. راعني ما رأيت .. تحولت الحوريتان إلى عجوز شمطاء ترتسم على وجهها علامات السن والعجز والمرض .. والأخرى ظل لفتاة ريفية مسكينة تعاني الفقر المدقع .
كنت أعاني بعض الصداع من أثر الصحو مبكرا والصوم وتغير عادات الأكل والنوم فلم أعلق وانطلقت للمكان المطلوب دون أي حديث .
راحت السيدتان تاكلان بصوت مزعج وتدخنان بشراهة كما لو كانتا محرومتان من سنوات .
كنت صامتا تماما اثناء رواية حسن ومستمتع بالطريق والرواية متمنيا أن ينهيها قبل وصولنا الى المنزل أو أن يطول الطريق حتى نهاية الحكاية .
وتابع حسن متذكرا وبصوت خفيض قال .. كان ذهني مشغول جدا وأشعر بالضيق كون ما فهمته أصبح حقيقة حينما توقفنا على أول طريق للبلد المقصودة وبدأت الشابة الريفية في اذاعة أنباءها عن مرض والدتها العضال وطلب المساعدة من أهل الخير .. كل يجود بما يستطيع وكأنما ترشد الفلاحين لطريق الخير .
كم كنت منهرا من اكتشافي كم هي حاذقة في الحديث لإقناع هذا العدد في ساعتين لاغير .. ووصلت لغتهم لمبلغ خرافي وكثير من القمح والأرز ملء جوالين حوالي مائة كيلو جرام .
أحسست لبعض الوقت مدى صدقها لدرجة أن وقفت دمعة بعيني ولم أنزلها .. وضحت من سذاجتي رغم علمي بسر الحكاية .
حينما انتهى يوم العمل بالنسبة للنسوة قبل الظهر بقليل جائتا مسرعتين للتوك توك وطلبتا أن نمشي بسرعة جدا .. خرجنا ثلاثتنا خارج حدود البلد وهناك تخلصتا من ملابسهما بنفس الطريقة التي ارتديتاها بها .. وبدأت بعض التعليقات على من أعطوهم النقود والأرز والقمح .. تباينت من ضحكات عالية ورقيعة الى نكات خليعة وكلام في النصف السفلي الى شتيمة وسب ونعتهم بالمغفلين .
اخذتا في تدخين السجائر والأكل بشراهة وشرب الماء والعصائر التي أخذوها من البلدة ثم تابعنا المسير في اتجاه ذهابنا للمدينة الأقرب لطريقنا ونزلنا عند محل تجارة حبوب كبير في نهاية المدينة .
بعد ترحيبات ونظرات خبيثة وغمز ولمز من هذا العجوز الذي يعرف مصدر الحبوب قام بوزن الأجولة ونقدهم الثمن ..
تسمع منهن دعاء عليه بألا يكسب هذا الذي يخدعهم ويعطيهم اقل من الاسعار السائدة بالسوق .. بدا كما لو كانتا قد قمن بزرع هذه الحبوب وتعبن فيها .
وكانت فرصة في العودة لحساب غلتهم ونقدي الثمن قبل الوصول لمدينتهم .. التمعت عيناى حينما سمعت الرقم الذي خرجوا به من أول يوم تسول في رمضان .. بادرتني احداهن بأنها أرزاق وهن يعملن مواسم وليس طوال العام وأيضا لاينوبهم من هذا غير الشقاء فيما تذهب الغلة للمعلم الكبير .
انتهى اليوم الأول وكان ممتعا لي من جميع النواحي فقد أحسست أنني في عالم آخر لاأدري عنه من قبل شيئا .. اشتريت كثير ممن الأشياء وعدت للبيت قبيل العصر .. ناولت أم العيال باقي المبلغ فأخذت تحسبه جيدا .. على نهاية الشهر سيكون معنا نصف تكلفة السقف ..
حمدت الله كثيرا ونمت حتى موعد الافطار .. كان شهيا بقدر لم أتوقعه رغم التعب والإرهاق الذي عانيته طوال اليوم .. ظللت أحلم بالغد وكل غد حتى نهاية الشهر .. تتراقص أمامي أمنيات جميلة في جمع المبلغ الذي نحتاجه .
صباح اليوم الثاني وفي نفس المكان والموعد ومع نفس الرجل ولم يختلف الا وجود سيدتان أخريتان .. ودارت نفس الطقوس وتكررت كما سبق بالأمس .
ولمدة أربعة أيام نفس الطقوس وتتغير النسوة .. احترت في التفسير وتجرأت وسألتهن ..
جاءت الإجابة مفاجئة مضحكة جدا .. كلهن زوجات لنفس الرجل سواء زوجات فعليات أو ما ملكت يمينه كما فهمت فهو الذي يدير العمل من بعد وهن من عليهن السعي وهو يجمع الغلة ويوظف الأموال وينفق عليهن وعلى أولاده منهن ..
وكان التنافس بينهن في جمع أكبر قدر من الغلة يوميا والتي تأتي بالغلة الأكثر يكون نصيبها الفوز بفراش المعلم الكبير ..
يستطرد حسن في الحكي وأنا مستمع و مستمتع في آن واحد حتى تغيرت نبرة صوته حين قال ..
لما قارب الشهر على الانتهاء قلت الغلة بعض الشئ حتى وصلت بالكاد لأجرة التوك توك وهنا كانت المشكلة .. لم يردن إعطائي المبلغ المتفق عليه لهذا السبب .. ولما اختلفنا انتظرت أن نصل وأتحدث مع المعلم الكبير في هذا الشأن .
أعطاني الرجل المبلغ المتفق عليه وطيب خاطري كثيرا .. وسألني سؤال مفاجئ عن سعر شراء هذا التوك توك .. قلت له انه يساوي عشرة آلاف جنيه فأخذها ولم يعقب وقال لي نحن على موعد غدا بعد العشاء .
جاء اليوم قبل الأخير من رمضان وارتفعت الغلة بعض الشئ وأخذت نقودي وعدت أدراجي للمنزل على أن اذهب للرجل في المساء .
وفي حينه فاجئني بشراء التوك توك قائلا لي سيكون هذا التوك توك لك نظير مبلغ يومي ثلاثون جنيها بشرط أن تخرج معنا في كل طلعاتنا ..
وحينما اعترضت رد قائلا بل سنعطيك عن كل يوم معنا خمسون جنيها وأيضا لن تدفع ايجار التوك توك .