ربما يفهم بعضكم أن في نصي هذا تطرقٌ لمأساة بوش والأميركان؛ قد حفظ العالم هذا التأريخ جيداً، ولكن من يقرأ عن مأساةِ أنثى ولدت في هذا اليوم من أيام صيفٍ في ثمانينيات بغداد؟! لا أحد سوى صديقةٍ لي رافقتني ورافقت نهاية مأساتي وهي في قبرها.
يَوْمَ توفيت جدتها التي كانت ترعاها، لاحقتها لعنة تأريخ ذلك اليوم؛ فكانت كل مصائبها مؤرخةً بتوقيتِ مولدها والذي شاء القدر أن يكون يوم مولدي.
قالت لي يوماً: مادمنا قد ولدنا في يومٍ واحد وشهر واحد، فهذا يعني أن كل المصائب تلاقينا في هذا التاريخ، راقبي جيداً، وسترين. هذا يومٌ نحس ولازلتُ أتلقى الصفعات فيه.
استلمتُ نتيجة رسوبي في البكلوريا عند تاريخ مولدي، ومات أخي الأكبر في حادثٍ مروريٍ بشع في ذات التأريخ.
فُسخت خطوبة أختي الكبيرة فيه.. دخلت أمي مستشفى مع أخي الصغير فيه.. .
وصلني خبر قبولي في كليةٍ لا أطيق تخصصها، أيضاً فيه، حتى أني بتّ أكره يوم مولدي وصرتُ أترقبه كل شهرٍ فلا أبرحُ فراشي خوفاً من حصول كارثة لعائلتنا.
أصبتُ بالإكتئاب، وخاصةً بعد ان فارقتني صديقتي فقد طلبتها السماء في التأريخ عينه.
أحببتُ من كان يغششني في الفصل، صارحني بحبه ورغبته في الإرتباط بي يوم التأريخ المشؤوم.
صرخت في وجهه: لا.. لا.. ابتعد عني، لا أريدك، بل لا أريد حباً ولا زواجاً ولا بطيخاً، دعني .. أتركني وشأني
استغرب وابتعد، ذكّرني بالنظرات التي كانت مني والابتسامات،، بكيت في حضنه بلا تفسير.
الزحامُ شديدٌ عند باب القاضي،أصوات الخلاف تتعالى وسط قاعة المحكمةِ مع دعاوى المطلقين، أنا افركُ يداً بيدٍ في انتظار دورنا.
أمي وعمتي وأم زوجي يتهامسن وفِي أيديهن السكاكر التي سينثرنها بزغاريدهن فوق رؤوس من تضجّ بهم القاعة بعد انتهاء العقد.
قلت له، هل قرأت الورقة؟
أي ورقةٍ؟ -الورقة التي أعطيتك إياها اول أمس؟
لا أتذكر أين وضعتها عزيزتي، وأظن أني أضعتها.
-ولكنها مهمة جداً، وتحدد مصيرنا ومستقبلنا.
-هنا هو مستقبلنا، عند القاضي، سرق مني قبلة أمام الجمع فأسكتني.
-سيخلد التأريخ هذا اليوم عزيزتي، فهو يوم عقدي على حبيبتي.
– ماذا قلت؟ اليوم! ماهو ؟ تاريخ!؟ لا.. لا.. إنه يوم مولدي!
– وماذا في هذا عزيزتي؟ مولدك هو أجمل يوم في حياتنا، وسيكون عيد ميلادك مميزاً.
هممتُ بالهروب منه وهو يمسكُ بيدي؛ لولا أنهم نادوا على إسمينا فسحبني إلى الداخل.
الدموع تنهمر من عينيّ وأنا أردد بعد القاضي، فيبتسم لنا، فلعله فهمها دموع فرحتي.
دُوّن التأريخ جيداً في الورقة، خرجنا وزغاريدهن تختلط وبكائي.
في البيت يتناقشون حول تحديد يوم الزفاف وأنا أصرخ: يجب أن تفهم جيداً ما كان في الورقة!
– عن أي ورقةٍ تتحدثين حبيبتي؟ اتركي كل الأوراق الآن ودعينا نرتب أوراقنا.
– سأكتبها لك مرة أخرى ويجب أن تقرأ عندما تكون لوحدك، فهي تحدد مصيرنا.
– طيب، طيب، لكِ ما تريدين ودعينا نخرج اليوم فهذا تاريخ لن ننساه.
مساءً على ضفاف نهر دجلة سألته: لمَ لَمْ تسألني ماذا كان في الورقة؟
– أعرف، أعرف، وأحرقتها ها ها ها
لم أتحمل ضحكته الهستيرية وصرخت: وتعرف أن اليوم هو يوم مولدي؟
– أجل عزيزتي، وأحضرتكِ إلى المحكمة وأنت لا تعرفين هاها.
سرحتُ في تفكيري، وأنا ألقم موجاتِ النهر الهادئة حجرا؛ فزلت قدمي.
رفعني بعد أن كان قلبي قد هوى ثم استقر.
-ليس بعد اليوم عزيزتي، فلا تخافي وهدئي من روعك.
– ولكنه يوم انهيار برج التجارة العالمي!
– قد صار مكاناً للسواح عزيزتي، وقد نزوره يوماً ما… مازال يردد هذا مع كل ضحكةٍ يطلقها.
– رجعنا بيت أهلي في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، وهو يردد على مسامع أهلي: سنُنجبُ خمساً من الأولاد كلهم في يوم مولدك.
بعد عشرٍ من السنين الرائعات، طلبت منه أن يرافقني إلى قبرها، ففعل.
بكيتُ كثيراً وغرستُ سعفةً صغيرة جنب الشاهد، ثبتت فيها ورقةً كتبتها بدمي: نامي قريرة العين صديقتي المتطيرة، اثنين من أولادي أطلقوا صرخة الحياة يوم مولدي، واليوم نحتفل سويةً بميلادي وعقد قرآني..
- حادي عشر من أيلول
- التعليقات

