تقف كشجرة هشة الجذع ، وسط غابة مكتظة بأشجار التساؤلات ، تعصف عاصفة هوجاء تأبى أن تدرك كنه جهتها وتسأل انتصار نفسها :أي النوافذ فتحت دون أن أفقه الجهات المطلة عليهم ، ما أضحت تدركه أنّها أوصت زوجها يونس بالبحث لرفيقتها فرح عن زوج بعدما خذلها الأوّل دون سبب ، وأطفأ فتيل شموع سعادتها في الأشهر الأولى من ارتباطهما ، تنثر أزهار المحبة عطرها وتبسط أشجار الوفاء أغصان أملها وهما كتوأم لا تفترقان إلا لتلتقيا ،ازدادت زيارات فرح لبيت رفيقتها ، ترعى معها أولادها الخمسة الصغار ، وتسامرها بوقت أفراحها ومتاعبها ، لا تكاد جلساتهما هي وزوجها يونس تخلو من ذكرها حتى أصبحت عيناه تستيقظ من نومهما لتعانق أي خبر يروى عنها ،تمهله خطاه المتثاقلة حتى يسمع وقع خطاها وهي تدق باب ارتباكه كل صباح، تتعانق ابتسامتهما ليركن ساعات يوم عمله كتاجر يداعب الحبور مخيلته، تتذمر أمّ انتصار من الوافدة التي تفرض وجودها بكل الأوقات ، تصم ابنتها آذان النصح .تتقاذف الألسنة أخبار ما برحت تصل لمسامع انتصار ، ما كان انشغالها برعاية أطفالها يترك لها مجالا لترصد ما يقال سرا أو جهرا ، كثرت أسفار زوجها و ازدادت حججه لجلب سلع جديدة لفروع محلاته التجارة لبيع الألبسة ،يتزامن غياب رفيقتها مع غيابه ، ما قالته فرح حفر بصدر انتصار شرخا كان عليها تتبعه قالت مزهوة : أصبحت تشدني زيارة أقاربي في المدن الساحلية ، تكتم مدينتي الشرقية على أنفاسي . ازداد شعور انتصار بالبأس ، وهي تقلب صفحات كتاب حياتها المتداخلة سطوره وأحرفه ،ما كان لسحب السعادة التي كانت تغطي سماء حياتها ،أن تهطل في لحظة سهو كوابل من الظنون والغيرة،تنقل شكوكها لأخيها الذي يتعقب أخبارهما ليصدمه ما رفع عنه لثام الشك ليجد زوج أخته الوحيدة عقد قرآنه منذ أكثر من شهر على رفيقتها فرح ، واجهت انتصار زوجها بالحقيقة التي ما وجد لها هذه المرة مراوغة أو تبريرا ، غيرت أقفال البيت لتتبع لاحقا تفاصيل الانفصال عنه.