دعانا صاحب الشركة الطيب إلى اجتماع طارئ مساء اليوم. لم يتخلف منا أحد. طارت بنا الظنون محاولين استنتاج سبب الاجتماع. قال أكثرنا تشاؤمًا: لا شك أن طلب التثبيت الذي تقدمنا به قد رفض، وسنظل عمالة مؤقتة إلى ما شاء الله. قال أشدنا تفاؤلًا: بل سيتم توزيع مكافأة إجادة؛ لأننا حققنا المستهدف، وضاعفنا الربح عن الدورة الماضية. قال زميل حصيف، مشهود له بالحكمة وقلة الكلام: لا يعلم الغيب إلا الله. علت الأصوات، وتباينت التكهنات، حتى أسر إلينا مدير مكتبه بأن الرئيس في المصعد، فسكتنا جميعًا كأنَّ على رؤوسنا الطير.
دخل الرجل المهندم، الذي تُعرف في وجهه نضرة النعيم، يسبقه عطره المميز، وابتسامة غامضة ترتسم على محياه، فسرها كل منا تفسيرًا مختلفًا. ألقى تحية مقتضبة، وأشار لنا بالجلوس، وأمر الساعي بإدخال كعكة كبيرة، وتقسيمها على أطباق بعددنا، وتوزيع مشروب غازي مثلج، ومياه باردة.
في هذا الجو الودي تحدث عن الغلاء والتضخم، والظروف الاقتصادية العالمية الصعبة، التي تلقي بظلالها السوداء على الجميع دولًا وأفرادًا، بنسب متفاوتة. سألنا فجأة: كيف تواجهون الانخفاض المستمر في قيمة العملة، مع زيادة التضخم وارتفاع الأسعار؟ قال بعضنا إن لهم أهلًا أثرياء، يمدون إليهم يد العون، ولولا ذلك لما استطاعوا مواصلة الحياة، مع متطلبات إطعام الأولاد، وتعليمهم، وعلاجهم، و مصاريف الإيجار والكهرباء والغاز والمياه، والمواصلات. ناشد آخرون تعديل لائحة العمل للسماح لهم بالالتحاق بعمل إضافي، أضاف بعضهم أنه لجأ للاقتراض لحل أزمته الراهنة رغم المحاذير الشرعية ومغبة القرض الربوي وعاقبته الوخيمة. وقال أحدنا بعفوية: لولا الجمعيات المتتابعة -التي يشارك فيها معظم الزملاء الواحدة تلو الأخرى- ما استطعنا مواصلة المسيرة، مع ما يتطلبه ذلك من ضغط المصروفات، والتضحية ببعض الاحتياجات. بدا الاهتمام في عيني الرئيس، وهو يستوضح عن قيمة الاشتراك الشهري، والقيمة الإجمالية التي يتسلمها صاحب الدور، وبحسبة بسيطة قدّر أن الاشتراك يعادل عشرين في المئة، من قمة متوسط المرتبات.
في نهاية الاجتماع، أعلن الرئيس قبول طلب التثبيت من حيث الشكل… دوت عاصفة من التصفيق غطت على صوته؛ فاضطر إلى إعادة تلاوة القرار، وأضاف: وفي المضمون بإعادة العرض على المجلس في دورته القادمة. أما القرار الذي صدمنا بشدة، فكان تخفيض الأجور بنسبة عشرين بالمئة. عذلنا زميلنا بألسنتنا، واتهمناه بأنه ألقى في روع صاحب الشركة، أن اشتراك الجمعية الشهري الذي ندخره من قوتنا، فائض عن الحاجة وأن الشركة أولى به.