كانت خطبة مفصلية، دشنت لعهد جديد في مسيرة الزعيم الميمونة، عهد سيُتَوِّجُه واحدا من كبار أثرياء الأرض، عكس الزعماء السابقين الذين تعاقبوا على البلد. وفي ثراء الزعيم ثراء الأمة، وعظمتها من عظمته، ومحمود كل من اعتنق الفقر ليضيف ولو نتفة من ثراء الى ثراء الزعيم، كما جاء في الخطبة، لأن الثراء كالتاج لايليق إلا بالزعماء، أما الفقر فهو صراط الرعية الصالحة المستقيم، وطوبى للفقراء المطيعين، الذين بشرتهم الخطبة، بجنات تجري بوديان من نعيم، بل وكادت أن تضع تأشرة الدخول إليها بين أيديهم، فالزعيم ظل الإله على الأرض، وظل الإله ظلٌ لإلهٍ، وليس لبشر ! لهذا كانت وصمة عار على جبين الأمة، أن يظل الزعيم، بكل جلاله، فقيرا أمام كبار أثرياء الأرض، كأي زعيم نكرة، لاتضاهي سياراته سياراتهم ولاطائراته الخاصة طائراتهم ولاقصوره قصورهم…فتوجب غسل العار والمهانة واسترداد الكرامة المهدورة، كما أكدت الخطبة، من خلال تحديد الوضع المالي للزعيم كأولى الأولويات، وتسريع وتيرة نموه لأقصى حد، بحسب خطة مدروسة ودقيقة بجدول زمني واضح، مع توفير الإمكانيات اللازمة وبذل أقصى الجهود. ومن هنا بشرت الخطبة الأمة، باستحداث صندوق مالي لذاك الغرض، يجري ملأه بالتبرعات، فكما يقول المثل الشعبي الذي استشهدت به الخطبة ( واحد مايغني الجماعة، والجماعة تغني واحد)،وأصبح الجميع مدعوون للتبرع، النساء والرجال، الشبان والشابات..وحتى الأطفال، فأنشأت في المدارس صناديق ولجان لجمع وضبط تبرعات الأطفال، الذين عليهم أن ينشأوا على وضع درهم او أكثر في الصندوق، بين الفينة والاخرى، عوض شراء الحلويات التي تسوس الأسنان..كما أنشأت صناديق في المؤسسات والمرافق والأسواق والحدائق..إلخ، وطُبعت طوابع وشارات بات لزاما لصقها على الأماكن البارزة من الجسد، حتى يظهر المرء مدى إنخراطه في حملة التبرعات لإثراء الزعيم. ولاعذر لأحد إخلافَه موعدا مع التاريخ، سواء بحجة الفقر أو غيره، فدائما هناك شيء يمكن للفقير أن يتبرع به، حتى لو باع لأجله عضوا من أعضائه، وهذا قمة البذل والإيثار، في سبيل الزعيم الذي بازدهاره تزدهر الأمة، كما أكدت الخطبة، التي لم تضع حدا أدنى أو أقصى للتبرعات ولم تحدد عدد المرات وكذلك لم تضع سقفا لحجم المبلغ الذي سيرفع الزعيم الى سدة كبار أثرياء الأرض؛ لكن في المقابل حددت يوم افتتاح الحملة بقطع الزعيم شريط التبرعات وتدشينها بالتبرع لنفسه، وكان الميعاد في أقرب الٱجال، لأن المخطط إستعجالي ! لهذا كان علينا، أنا وزوجتي، المبادرة الى التبرع، لأنّا لانريد قطعا أن نكون من المغضوب عليهم الذين يهددون النظام ولايضمرون خيرا للزعيم، بل كان كل همنا أن يكون المبلغ مقبولا على الأقل، إن لم يكن كبيرا، و( يحمر لوجه)،ليرفع رأسنا بين أهل الدوار. لكن زوجتي أصرت أن تبيع سلسلتها الذهبية، وتتبرع بثمنها، وتوقعه بإسمها فقط، دون إسمي أنا زوجها الشرعي، حتى لايشهر بها أحد، وتتركني عرضة للتشهير وبلاحل، سوى بيع الحمار، والتبرع بثمنه، وهو ( شرف الله قدركم) أشبه بالسبة في حق الزعيم، الأمر الذي قد يستتبع علي شر العواقب ! حاولت ثنيها بشتى الطرق اللينة، فلم تنثن..حتى نفذ صبري، فثرت في وجهها حانقا، شاتما، معيرا، الأمر الذي أجج غضبها، فردتْ علي من نفس القاموس، وأقذع، مما جعلني لاأتمالك كفي، ولم أفطن لها إلا وهي تهوي على وجهها بكل قوة وحقد..وكانت الصفعة نقطةَ اللاعودة، إذ حزمت حقيبتها وهرولت باكية الى دار أبيها، وبتنا على عتبة الطلاق !