جلد الطبلة رخو.. ما عاد يخرج من بطنها صوت حقيقي، ولهذا لم يتجمع الأطفال حوله كالعادة، عادة يعلق طبلته على أعلى جانب خصره ينقر نقرات رتيبة حرّة على جلده الممطوط الذي تلوّى في ثنايات الزمن ولكمات المدق العاج الذي يقبض عليه على وجهها في عنف يلطم..
هرم الشيخ وتكاسلت خطاه، وسال لعابه وزبد على جانبي فمه، وتلاشى صوته مع ضجيج المدينة، ولكنه مازال على حاله معمّما بشال كبير أخضر رثّ، ولكنه محكم، وترك لحيته الطويلة البيضاء لأكثر من غرض، وحاربته السنون على تقاسيم وجهه التي باتت كحفرية هيروغليفية من حفريات الفراعنة، وعيناه لم تطلا ببريق الدهشة بعد، وكأنهما فاقا حدود عجزه كعينيّ ضفدع كبير بارزين في ثقل محدود الاتجاه والحركة يجرّانه..
حتى الخبر الذي جعله يفط من جانب الشابين الثرثارين وهو جالس بجوارهما على رصيف مقهى سباعي لا يدري أنه من اختراعهما أو توقعاتهما، ولكنه ارتاع له وهو يجري حاجلا غير مصدق أن يحدث هذا، وزام وتمتم وسبّ ولعن.. على آخر النهار جلس حزينا مكسورا، أردته الصدمة مكوما كجوال قديم يحمل أغراضا لا تنفع ولا تشفع يحوي همل الزمن.. ـ يا حي يا قيوم.. من منا معصوم.. يا حي يا قيوم.. من منا معصوم.. تناقلت الأخبار كالبرق، أن فلان ابن فلان قد كفر، على التلفاز مباشرة سبّ الأئمة، وحطّ من علم السلف، وحطم منارة الأزهر..
أصرّ أن يذهب إلى الحاكم، ماعادت الطبلة تجدي نفعا مع ثرثرة الناس وغوغائيتهم.. صرخ:
ـ آدي النتيجة.. الناس قطعت جلد دينها وهتستورد جلد جديد على قد المقاس.. صوته بيطرب الأسماع حنينا رنان..
حكمت المحكمة على الكافر الزنديق بالسجن عام.