ِتتذكّر كلّ شي وهي تعانق سواد المساء، ترتدي فستانها الأبيض حزنا عليه …فلم يعد البياض للفرح بعده …تسمعهم يتهامسون في بهو الضّوء عنها…تحجّرت دموعها.
حدث كلّ شيء في ذلك اليوم المشؤوم عندما كانت ترتّب لحوار صحفي مع أحد المرابطين لأجل تحرير الوطن…كان وسيما زادته تلك البزّة العسكريّة جمالا…بنصف ابتسامة يحدّثها بصدق…منذ عملها كمراسلة صحفيّة وهي تنتظر حوارا كهذا …لم تكن تعرف أنّ الحوار سيطول ويطول، وتكون لها معه ألف حكاية وحكاية.
منذ ذلك اليوم وهما يلتقيان سرّا، وكانت لهفته عليها ظاهرة للعيان…لكنّه دائما يخبرها: بأنه ملك للوطن.
مازالت صدى كلماته تدندن في أذنها، تنتفض، تعانق السّراب وهي تعيد ذكرى تلك الأحاسيس الجميلة التّي رافقتها كلّما التقته…تمنّت أن تراه مجدّدا أن يدلّلها كما كان يفعل دائما …أن يمطرها بقصص البطولة التّي انقرضت…اشتاقت كلماته عن الحريّة والكرامة..
تتأمّل زيتونتها التّي تقابل نافذتها التّي بدأت تذبل… كان يرويها بدمه…من دونه لا طعم للجمال، للحبّ، للحياة.
تجلس كعادة هذه الأيام في زاوية مظلمة تحمل صندوقها الذّهبي بقوّة، قهوة بعد قهوة…بشغف كلّ صباح تقرأ رسائله تلك، وكلّ مساء تكرهه ألف مرّة…لم تعد الصّحفيّة النشيطة المحبّة لعملها…هي الآن لا تتقن سوى التّفكير في خيباتها المتتالية معه، كيف قُبض عليه بتهمة التّخابر مع العدو!
لم تعد تعرف هل كان رمزا للمقاومة أم رمزا للخيانة، منذ مدّة كُرّم لتضحياته واليوم يقبع في سجون الوطن بتهم لا تعد ولا تحصى!؟ …تهمس ذكراه مجدّدا في أذنها في لحظة ضعف تجلّى أمامها…بنصف ابتسامته المعهودة رتّل معها الدّعوات والأذكار، ولأوّل مرّة لم يشاركها طقوس الفرح، كان يبدو حزينا ، هزيلا، يلفّ وجهه السّواد، بلحية كثّة وملابس ممزّقة، يظهر منها جسد أحمر من كثرة التعذيب…ترجّته أن يشرح لها كلّ ذلك، أن يجلس إليها ،أن يحدّثها.
تأمّلها: كيف أحوالك؟
:وكيف أكون، لم يعد لوجودي معنى، اختلطت عليّ مفاهيم الخير والشّر، الرذيلة والفضيلة ، يقولون أنّك مخرّب ومجرم وووو…!
: و تهم لا تعدّ ولا تحصى، هل تصدّقين ذلك؟! أرادت إخباره أنّها لا تصدّقهم ، لكنّه بادرها:
“أجمل الحبّ هو الذي نعثر عليه ونحن نبحث عن شيء آخر” ولا يهمّني بعد ذلك شيء فليعدموني…ورحل.
كالمجنونة تصرخ كيف تعثّرت بك وقد كنت أبحث عن ذاتي…؟ ولماذا أتعثّر بك؟ لماذا أنا الآن أحتاجك ولم أكن أعرف أنّك زرعت وحصدت…لماذا ألتقيك في وقت الحصاد ؟لم يعد للقياك معنى…العبرة ليست دائما بالخواتيم…وقد بدأت من دونك.
تحمل رسالة أخرى من رسائله الكثيرة بالكاد ترى حروفها:
“كأنّني التقيتكِ قبل الميلاد، وتعارفنا في ذلك الجبل المقدّس، كأنّك خلقت من ضلعي…كنت سكني قبل أن أراك ، وكنت حينها أنتظرك بكلّ ذلك الجنون والنّشوة…”
تقهقه بهستيريا تمزّق الرّسالة، تضع الحزن شالا على كتفها و تكتحل ببقاياه، تضمّد جراح الوحدة…تحاول نسيان كلّ ذلك، من شرفتها ترمي صندوقها الذّهبيّ الذّي لطالما كان حافظ أفراحها وكاتم أسرارها، تخرج للشّمس لأوّل مرّة عارية من ذكراه…تحمل الأمل وتمضي مرّة أخرى باحثة عن الحقيقة.
- خلط الأوراق
- التعليقات

