كانت خلود سرًا لا يُدرَك، وشوشةً تهمس بها نبضات الفؤاد الخافقة. لم تكن جسدًا يلمس، بل روحًا تُحلّق عند حافة الغسق، حيث يرقص النور الأخير على شفاه العدم. في كل أمسية، تتلبسها الأجواء كوشاحٍ من ضوءٍ خفي، يترشح شذاها من مسام أنفاسها، كأنفاس الغيب، يُعمد الظلام بتراتيل هيامٍ شفيف، ويعقد الدجى عليها صلواته.
وحدتها، قيثارة الغياب، كانت تعزف لحنها الشفيف في أوردة الشوق، تُناديني من بعيد. حنينٌ كصدىً أبديّ، يُمزق حجاب الروح في أقصى أعماقي. مع كل خفقة أفولٍ في الكون، كانت تتخلق، ومع كل نأمة حنينٍ تتجدد فيّ، توقظ جمرة اشتياقٍ تلسع الروح، لا تُطفئها دهور ولا تُفنيها الليالي. بيننا، كان الصمت الشاهد الوحيد، لغةٌ تتجاوز الحروف والكلمات، تروي حقيقة وجودها الذي يملأ كل فراغٍ في هذا الكون، ويُحيي ما كان مواتًا في الروح. ميثاقٌ أبديّ، وعهدٌ لا يُكسر، حتى لو كان الشاهد عليه مجرد سكون.
لكن الشفق، في لحظة سكونٍ موحشٍ لم أعهده، لم يبتلعها وحسب؛ بل مزّق كينونتها كوشاحٍ مهترئ، ونثر ذرات روحها في مهب العدم. لم تعد الأمسيات تتجلى، ولا الأنفاس تترشح، ولا حتى الصدى يرتد. اختفت خلود، وكأنها لم تكن سوى حُلمٍ باهتٍ لم يُكتب له البقاء. مات الشوق في صدري قبل موتي، وصار وجودها لعنة فراغٍ لا تُحيي، بل تُفني كل أثر، حتى ظل الذكرى.