أراد أن يغمس كسرة الخبز في صحن الزيت، لكنه ألقى بها في السفرة متضجرا لافا برأسه يمينا وشمالا في حركة للتعبير عن امتعاضه، تزامن صراخ طفل أحد الجيران في البيت الملاصق له ولم يكف عن الصراخ طيلة ساعتين بتمامهما، مع مواء القطط المتناطة في جنان المنزل في مرحلة للفوز بقلب القطة البنية المدللة التي كانت حائزة على رضا أهل البيت فتنعمت فيه حتى صارت تتعامل مع باقي القطط كأنثى الإنسان في الإغاظة والانتقام وحتى الخيانة، وتعرف كيف تقفل الباب جيدا قبل أن تتمدد على عجلتها المصنوعة من الفرو الخالص.
الرجل مازال يحاول أن يخرج من دائرة الصراخ المحيطة به، كان شعر رأسه متناثرا، يمينه أكثر من يساره، وعينه اليمنى تنكسر وتستدير عن اليسرى، بينما شفتيه ارتسمتا كسلسلة الهونزا المعقدة، استقامة في علو ثم في انخفاض بائس ينم عن حزن دفين في قلبه، اتكأ على مرفق يده اليمنى، قال في نفسه بصوت مسموع: كيف تحتمل أمه كل هذا الصراخ؟! وأين والده؟
قفزت القطة وهي تموء بحنان دخلت تحت جنبه ونامت، لم يعرها اهتماما، فصراخ الوليد لم يكف حتى منتصف الليل، سمع صوت زجاج المطبخ قد تهشم، تحفز للموقف، كان القط الأسود الضخم ينظر نحوه بتنمر، بينما استلقت القطة بمكر في حجر الرجل، قال في نفسه، كيف دخل هذا الوحش إلى هنا، سمع هرجا كبيرا في البيت الملاصق له، قام مذعورا، قفزت القطة وهربت، لحق بها القط الشرس، الرجل يضرب زوجته والمرأة تصرخ، تناوبت الصرخات، طفل وامرأة تئن، وقط يهشم الحديقة السفلية بحثا عن القطة، عاد وأقفل الشبابيك والأبواب، وجد سيلا من الزيت يعلو المكان وعلبة الدخان وجهاز الريموت كنترول، وظلت الشاشة متوقفة على صوت طفل لا يكف صراخه.
فتح الشباك، أطلق صرخته الأولى في حياته، فاغرا عن أسنان متداخلة. هدأ الجميع وسكن الكون. وفر القط ناطا من سور الحديقة بينما اختبأت القطة في شرفة الجيران.