أخذَ يتصفّحُ الماضي، الأيامُ تمضي أمامَ عينيه كأنّها أشباحٌ سود، السعادةُ فيها لا تعدُّ مقدارَ خردل، على أعتابِ الألمِ تقفُ السنينَ حيرى، ما بالُ الشّيْبُ غزا مِفرقي؟.. الروحُ خضراءُ نديّةٌ يزيدُها العمر ازدهاراً، الجسدُ الّلعينُ يأبى الصّمودَ أمامَ دولابِ القدر.
سيّدي تفضّلْ بالدّخول… قد حانَ دورك.
بالكادِ ينهضُ، تحملهُ قدماهُ، يدخلُ مع تلكَ الأحزانِ والهموم، برفقةِ الوجعِ جلسَ أمامَ الطّبيبِ المختصِّ، بعدَ سيلٍ من الاسئلةِ والاستفسارات، كتبَ له العلاجَ الّلازم.
الانتظارُ يهونُ أمامَ البحثِ عن الدّواء، ينتقلُ من مكانٍ إلى آخر دونَ جدوى، شاهدَ أريكةً أمامَ حديقةٍ عامّةٍ، أحسّ ببعضِ الرّاحة، جلس يستنشقُ الهواءَ النقيّ، عادتْ به الذّكرياتُ الجميلةُ لأربعينَ عامٍ خلت كان يجلسُ في مكانٍ مشابهٍ عندما مرّتْ تلك الغادةُ من أمامِه وهي تتعثّرُ برداءِ الخجلِ والحياء، غازلها بكلماتِه الجميلةِ فحثّتْ خطاها إلى المنزل، لكنّها أخذتْ قلبَه بجاذبيّتها السّاحرة، لم يكنْ من السهلِ عليه استعادةُ روحِه المسروقة.
بعد أخذٍ وردّ، سؤالٍ وجواب، رفضٍ وقبول، زياراتٍ متبادلة، اجتمع معها في مكانٍ واحد، حجرةٍ يكسوها الحبّ، في بيتٍ فاحَ فيه عطرُ الياسمين، وزغاريدُ الأهلِ والأحبّة، وقفَ أمامَ سحرِها وكأنّهُ هو فارسُها الأوحد، يشمّ عطراً لا يُقاوَم، فتح عينيه وإذا بغزالٍ ممشوقِ القوام، أسيلِ القدّ، ذو شعرٍ متعرّجٍ بلونِ الزّعفران، نجلاء كحلاء تقتربُ منه، تجلسُ عن يمينه، أحسّ بدفءِ روحِها، عندما اقتربتْ منه إلى حدّ الاصطفافِ به، رفعَ رأسَه ونظرَ إليها قائلاً:
– هلْ ظللتِ الطّريق؟.
ابتسامتُها الشّفافةُ زادتْ من حرارةِ الموقف.. قالت:
– لا انا اعرفُ طريقي جيّداً فلا تقلق.
– هل تعرفين أنك من سنّ بناتي؟.
– نعم لكن يوجد مثلي من تفضّلُ صاحبَ العقلِ الكبيرِ والتجربةِ العميقةِ في الحياة.
كلماتُها كانت تنهالُ عليه كأنّها بلسمٌ لجروحٍ باتت بلا علاجٍ ناجع، صمتَ برهةً لروعةِ الجمالِ الفاتن، قالتْ له:
– ممكن هاتفكَ المحمول؟.
لم يتوانى، فأصبح المحمولُ بين أنامِلها النّاعمة، سجّلتْ رقماً وارجعتْهُ إليه بلطف:
– سوفَ اتّصلُ بك لتحديدِ موعد.
– متى؟.
– عن قريب.
وقفتْ فوقفَ لتوديعها، اقتربتْ منه حتى عانقتْهُ لبرهةٍ وبعدها أعطتْهُ قبلةً على خدّهِ أخذتْ بتلابيبِ عقلِهِ.
شاهدَها تمضي كأنّها مغناطيسُ تسحبُ روحَهُ الشّفيفة.
تذكّرَ ربّما الوقتُ قد سرقَهُ، فأسرعَ يبحثُ عن الدّواءِ من جديد، ينتابُه هذه المرّةِ شعورٌ بالحيويّةِ والقوّة، دخلَ إلى صيدليّةٍ تمنّى أنْ تكونَ الاخيرةُ في مشوارِهِ المُتعبِ، أخرجَ وصفةَ الطّبيبِ ثم أعطاها للصيدليّ الذي قال له أن الدّواءَ موجودٌ عندهم.
فرحتُه معَ الحلمِ الجديدِ زادتْه ابتهاجاً، أخذ الدّواءَ من يدِ الصيدليّ الذي طلبَ منه مبلغَ الدّواء.
مدّ يدَه إلى جيبِه قاصداً محفظةَ النّقود؛ أخرجها بيضاءَ وهو يعتذرُ لشيبتهِ والصيدليّ.
- دولاب القدر
- التعليقات


