ارتشفت من قهوة الصباح، والتقمت قطعة من خبز أمي مشوية على كانون رمادي مستدير، مغمورة في زيت زيتون أخضر شهي.. تأملت خيوط أشعة أسطوانية متوازية تحمل على متنها أسرابا من كائنات مجهرية ظريفة اقتحمت فضائي الخاص من نافذة المطبخ ذون استأذان ..
من محبسه انبعث فجأة ذلك الصوت الجهوري مخترقا طبلتي أذني، لتستقر كل تلك المشاهد المتجانسة في باطني سمفونية جميلة عشقتها طفولتي .
” يا أيها الإنسان.. أنت ما تشاء ” .. يلفظ المذياع الصوت مرّة أخرى، فأصغي إليه باهتمام بالغ يسترسل في مقول فلسفي لاأكاد أفقه منه شيئا، أكاد أصرخ في وجهه معاتبا : ” ما الذي تهرطقه أيها المعتوه” لكنني أستحيي من خبز أمي وقهوة أمي وتلك الكائنات المجهرية الظريفة التي تشاركني حيرتي ..
الجهل ليس عارا دائما بل ميزة في أحايين كثيرة .. كانت هذه ولا تزال فلسفتي الخاصة .. وجهل الطفل الذي كناه يوما ما منحنا مساحات شاسعة ممتعة للتفكير والتأويل قبل أن يحين موعد الاكتشافات التي تبدّد غرابتنا وتزدان بها قرائحنا بقدر معلوم يشكل وعينا مرحليا دون أن يفسد جبلتنا الساذجة ..
وليس من باب الطرفة فقط بل ومن باب الاستشهاد أيضا ما سأرويه هنا من سذاجات الطفولة وجهالاتها السحيقة، فقد كنت أعتقد قبل أن أعي اتساع الكون ولا نهايته أن الأرض هي المركز، و أنها مسطحة تنتهي بجرف سحيق يؤمه الناس من كل حدب وصوب للنظر من خلاله إلى الفراغ الممتد في الأسفل حدّ البصر ..
كما واعتقدت ذات طفولة غبية بقدرة ذلك الرجل الأصفر الذي كان يتخذ من الزقاق المجاور لمدرستي الابتدائية أصلا تجاريا، معظم زبائنه أطفال صغار، على تحويلي إلى دراجة ..
حدث ذلك حينما ألح عليّ صديقي في اصطحابه لابتياع عصير وشيئا من حموص كولكول .. كانت فرصتي لأتمعّن في خلقة الرجل البشعة عن قرب وأنا الذي ما كنت لأجرأ يوما على الاقتراب من الشيطان (هكذا كنت أسميه في قرارة نفسي) .. ظللت أسترق إليه النظر بين الفينة والأخرى بخوف وإعجاب وذهول غير آبه بكرم صديقي الحاتمي، قبل أن ينتبه الشيطان إلى فضولي ويفاجأني بدعابة سخيفة لن أنساها ما حييت ..
” لم تنظر إليّ هكذا ؟ هل تريد أن أحولك إلى دراجة ؟ ” .. لم أمهله ثانية ليستفيض شرحا في الكيفية ؟ و لم يتبادر إلى خلدي حينها أن أسأله آ نارية هي .. أم عادية ؟ بل امتطيت ساقاي والريح إلى غاية بيتي مشفقا على زميلي الذي سألفيه لا محالة غدا دراجة .
و لأننا كنا على جهل بإحداثيات الأمكنة كانت لأسفارنا نكهة لا تضاهى افتقدناها بامتلاك البوصلة فلن يدهشك القمر إن زرته حتّى.. وقد أصبحت تعرف عنه كل ّشيء تقريبا ..
” يا أيها الإنسان .. أنت ما تشاء ” .. ” يا أيها الإنسان .. أنت ما تشاء ” …
ينبعث الصوت مجدّدا كرجع صدا يطرق مسمعي وينفذ أعماقي ، تردده هذه المرّة كائنات مجهرية من زمن غابر.