هذا المساء ! يعودان من السوق الأسبوعي مبكرا ، أمي تحمل قفة كبيرة ، تفوح منها روائح التفاح البلدي،مخلوطا بحبيبات البصل والجزر و نعال بلاستيكية جميلة بيضاء لنا نحن الصغار ٠
أبي أمامها يهرول مشبوك القبضتين خلفه ٠٠ جلبابه البني مربوط على ردفيه بإحكام ،و شكارته تتأرجح مشنوقة على خاصرته !
يعترض طريقها جرونا الصغير المدلل ، يتمسح بها، ويبالغ في البصبصة ، فرحا بقدوم مولاته ، يلعق ساقيها ، فتنهره متأففة :
يبتعد قليلا ثم يعيد الكرة !
تسير بخطوات ثقيلة ،يشدها حجم القفة إلى الأرض، فتمشي في بركة من الإسمنت ٠
تتخلص من القفة ، فنسرع نحوها ، نتحلق حولها كفراخ الدجاج :
عين على القفة ٠٠ وأخرى على أمي !
نعرف بفراستنا أنها تحمل أخبارا مهمة ٠
انتشاؤنا بأخبار السوق ، يعادل عشقنا لروائح حبيبات التفاح البلدي ٠
قبل أن تسترد أنفاسها ٠٠ تشرع في تفصيل أخبارها :
تمددها ،تمططها ٠٠ و تفككها ، لم تكن تخفي عنا شيئا، حتى تلك الجزئيات الصغيرة المملة :
– فرح ولد حميدة هذا الأسبوع !
نشرئب بأعناقنا كالفئران ، نمسح تقاسيم وجهها بنظراتنا ، يسحق أبي عقب سجارته ،تحت فردة حذائه الثقيل ،و يتمتم ساخرا :
-كعادتك لا تحملين إلا أخبار الشؤم كالبومة !
وبابتسامته الساخرة المعهودة :
-و من عريس الغفلة من أبنائه ؟ فحميدة نعرفه بلا مكابح كالأرنب ، يلد كل عام ، بلا نفع ولا منفعة !
تبتسم أمي بمكر و تجيبه :
– هيه ! شعيبة [الديك الرومي] ألا تعرفه ؟
– شعيبة ؟ هو كبير إخوته ؟ ومن هي العروس عاثرة الحظ هذه ؟
تنفجر أمي ضاحكة، وهي تفرغ حمولة القفة في طست نحاسي كبير :
– عويشة ، المعفونة ، بنت الرباع !
يقهقه أبي عاليا، يكاد يستلقي على قفاه ، يشفع ذلك بسعال حاد وبصاق ،يقذفه بعيدا ، ويعلق على الخبر :
– هه ، زواج بيع وشراء ٠٠ زواج مصلحة ، صفقة خاسرة ٠٠ كل منهما يريد استغفال الآخر، فيتبادلان الخيبات:
الرباع يشتري الجاه ببضاعته الفاسدة ، وحميدة يبيع الجاه و يشتري الستر لولده المعتوه !
و بكلمات تنذلق من خيشومه غير مسموعة، يحدث نفسه :
– يا للعجب ! شعيبة اشتم روائح إبطه وبهذه السرعة ؟ سبحان الله !
وينشغل عنا بتقويم اعوجاج فتيل الشمعة !
تجتر أمي الخبر ، تلوكه مرات ومرات ، فتخلط البدايات بالنهايات ٠٠ يضيع منها رأس الخيط ، و تفقد التركيز ٠
يصرخ فيها أبي متظاهرا بالغضب :
– كفى ٠٠٠! كفى أيتها الأسطوانة ، الصدئة المعطلة !
تلوذ المسكينة بالصمت ،و تستغل انشغاله بالفتيل ٠٠ فتحرضنا على انتزاع العظمة من أنياب هؤلاء الكلاب :
-أن ننتزع مكاننا في هذا العرس٠
أبي يكره حضورنا هكذا أعراس، لا يحب أن ينعتونا – نحن الصغار بنعوت قدحية ، تحط من كرامتنا كجيل (قمش ) أو (نص روح ) فكلنا في نظره -صغارا وكبارا – أبناء التسعة !
تلتقط راداراتنا الملعونة الخبر ، بفرح شديد ، فتحلق أدمغتنا الشقية في أجواءالأعراس !
ينزل على مسامعنا خبرا مباركا ، ككويرات برد باردة ٠
– نحن أيضا سنأكل حفينات من حبيبات كسكس شهي ، وسنستلذذ مرقا لذيذا ، معطرا بروائح الزعفران والسمن !
-سنحظى كباقي عباد الله (بشنتيفة) لحم ٠٠هذا الضيف
العزيز حد الانعدام ٠٠لم يكن يرضى بمطابخنا -نحن- الحرافيش ، المقهورين ٠٠ فيبحثون لنا عن مبررات يرونها مقنعة لحرماننا منه :
-اللحم يسبب انتشار القمل والبراغيث ٠٠ويسود الوجوه !
لم نكن نثيق فيهم ،فهم كبارلكنهم كذابو ن ، تحرجهم
تساؤلاتنا ، في كثير من الأحيان ، فيخنقوننا بقمعهم !
-لكن لماذا يحظى به لصوص قريتنا ولا قمل ولا براغيث فيهم ؟ وجوههم بيضاء ناصعة كالشمع ٠٠خذوذهم حمراء تكاد تنفجردما !
فيدفعون عن أنفسهم التهمة بمبررات معقولة لنعذرهم :
دم هؤلاء اللصوص ، ملوث بتراب أراض سلالية استحوذوا عليها بقوة الحديد والنار ، وتوارثوها حاجا بعد حاج ،وضاع
حق المقهورين تحت أقدام حجاج بلا حج !
القمل والبراغيث تستلذذ ملوحة دمنا -نحن نص روح-سلالة المقهورين ، سلالة النباتيين ، وفي أحسن الأحوال آكلي فتات ٠
كنا ندرك اللعبة جيدا :
قلة الحيلة، وضنك العيش : سبب ملوحة دم يعشقه القمل و تستطيبه البراغيث ،على مضض نتقبل تبريراتهم هذه ونعذرهم رغم صغر سننا !
من بيتنا ، ينتشرالخبر نارا في كومة قش يابس :
-شعيبة المعتوه ،و بنت الرباع عروسان جديدان : قريتنا في رصيدها فيلة معتوهة جديدة ٠
في غفلة من أبي نتسلل إلى بستان الصبار،ننتشر كالقراد ننتظر قدوم زعيم الجراد ٠٠تحت ضوء القمر الباهت يتراءى لنا كشبح صخرة ، وهو يتبرز ، ويشمت في قايد عبدة الذي هزمته إمرأة زيدية ويرددمقطعا من عيطة خربوشة:
-واخايت عليك الأيام
، و الأيام ٠٠٠ الأيام !
-أيام القهرة والظلام !
-فينك يا عويسة ،وفين الشان والمرشان !
كان يكره الطغاة، و يمقت حجاج قريتنا ٠
وهو يحزم سرواله بحزامه الجلدي ،يصرخ فينا :
– أمستعدون يا جراد لأخذ القرار الصعب !
نصيح بصوت واحد وبحماس مفتعل :
– لك القرار يا زعيمنا ، فنحن حصى يجرفها سيلك ، متى تزل بك القدم ،نزل، ومتى تصيب ، نصيب !
وبلهجة صارمة عهدناها فيه :
-ستقتحمون منزل هذا المعتوه بالقوة ، ستأكلون أنتم أيضا كسكسا ومرقا ولحما و خبزا شهيا فيه بعض من روائح المدينة ، ستستمتعون بجمال الجميلات ،تهتز أردافهن فوق القعدة ،على أنغام الجرة والقصبة ، ألستم من هذه القرية الملعونة يا معشر نص روح ؟
عيطات عبدية/ زعرية/ خريبكية ،تعشش في أدمغتنا الصغيرة٠٠ نحفظها إيقاعا وأداء ٠٠ و تتملك منا المخاخ ،
و تستحق منا أن نركب مخاطر الليل :
( خربوشة ٠٠٠ جعيدان ٠٠٠ صوط عليه يطيب ٠٠٠ العلوة ) :
روائع شعبية ، تنتشلنا من رتابة بؤسنا ٠٠ وتفجر فينا تلك العقد المكبوتة ، وتنشط فينا هرمونات بلوغ مبكر ، وتحلق بنا بعيدا ،عن غبار البيادر والحقول وخوار العجول ،خصوصا عندما تبدع في أدائها (بنت لقرع ) غناءا و رقصا على القعدة ،وهي تقلد( رواد لحرارشة ) من أبناء شيشاوة !
من منا لا يفغر فاهه حتى الأذنين ؟
عندما تتلاعب هذه القرطاسةالشقراء، بردفيها المكتنزين ٠٠ برأسها تعانق السماء ٠٠وقدماها يدكان الأرض دكا كمهرة جامحة، فتثير النقع فوق الرؤوس ، وهي تتباهى برنين الجواهر و خشخشة أساور ذهبية ،سرقتها – ذات نزوة عابرة – من قوت أطفال عراة جياع ٠
وبلا حياء،تستفز بنات قريتنا ،تغريهن ، لتوقعهن في ارتكاب المحظور، و وتدفعهن ليبعن الكرامة مقابل مساحيق باهتة رخيصة ، وأساور صدئة !
هن بسيطات ساذجات ٠٠لايملكن شيئا مما تملكه هذه المتبرجة ، إلا جمالا شاحبا شققه لهيب شمس الغيطان والحقول ، وتنهيدة مخنوقة ،لكن لهن شئ من عزة نفس !
فهن لسن أحسن حالا من أمهاتهن :
نتانة براز رضعهن تشتم في الأصداغ ، ممزوجة بروائح الدجاج و الخراف والعجول ، و أثداء ذابلة كحبات الفلفل المشوي عاث فيها الصغار فسادا!
همهن ينفر منهن الأزواج في المضاجع ،يفتح عيونا خضراء على مساحيق (بنت لقرع )فتمتص منهم ما يجود به البيدر والحظيرة من أكياس قمح وعجول سمان ، كبعوضة شرهة إلى آخر فلس ٠
يسود الصمت : دردشات خفيفة لأعضاء الفرقة ،يتردد صداها بين الفراغات ، ولا يتجاوز باب الصالة الكبيرة ٠
يتحلقون حول أيقونة الرباعة [باجلول ] و كؤوس عصير العنب ولفائف الحشيش في رحلة سندبادية محمومة بين الأفواه العطشى!
يضع با جلول كرشه مكورة أمامه ،كحبة البطيخ ٠ بين فينة وأخرى يتلمسها براحته ، ويأمر بإحضار الطعام ٠٠٠ أوامره لا تنقطع أبدا ،إطعام فيل من هذا الحجم من بداية الحفل يفقد (الطيابة ) مكابح أعصابها !
يشاع في قريتنا ، أن المسكين : مات من كثرة الضحك
و المبالغة في الأكل ، فاختل توازن أمعائه فودع الدنيا ٠ تصاب قطعان الكلاب بهستيريا السعار، فتطاردنا ، تريد دفعنا خارج حدود القرية ،تقتفي أثرنا ، وهي تشتم روائح أقدامنا الحافية مرسومة على التراب الناعم ٠
فنتسلل عبر المنحدرات كالفراقشية ، و الأعشاب اليابسة تتهشم تحت أقدامنا المرعوبة ٠
وتبالغ هذه الكلاب الجرباء في نباحها المحموم ، وتمعن في الالتصاق بأجسادنا الصغيرة .ونحن نسابق الريح !
يلتفت زعيم الجراد إلى الوراء ،ويصرخ فينا :
-لا تخافوا ،يا جراد ، سأفلتكم من قبضة هذه الفكوك الملعونة ٠
نصيح مرعوبين وهي تكاد تلتصق بنا :
-أغثنا يا زعيمنا ، فالكلاب على وشك الإمساك بنا !
يخرج من جيب سرواله المثقوب قطعة خبز يابس ، يرميها في وجهها ،فتتقهقر وتتراجع ، ويتوقف نباحها ، ويصيح منتشيا :
– آ اذهن السير يسير !
تعلو في أعيننا مكانته ،ونسأله :
-ماذا تعني يا كبيرنا ؟
وبثقة زائدة يقول :
-رشوة الكلاب ، لا تختلف عن رشوة الكلاب الآدمية في قريتنا ، شئ بسيط من فتات ، يسيل لعابها ،فتخون البلاد والعباد، وتبيع الأرض والعرض ٠
وأنا أشتري صمت هذه الكلاب و خيانتها بكسرة خبزحاف ،فتعبد لنا المسالك الوعرة وتسهل أمامنا المصاعب ٠
ينشغل حميدة عنا بأجساد فاتنة فتية ، تعانق الفراغ حينا وتعلق بين السماء والأرض حينا آخر ، ورؤوس الحاضرين متدلية على صدورهم ،تتمايل كحبا ت الرمان وهم ،يستمتعون بميزان شعبي رائع على إيقاع القعدة، وأكف الفلاحين المتشققة، الغليظة!
يترك المسكين الجمل بما حمل، ينتشي بحموضة كبته، ويتلمظ ملوحة رغبة دفينة ٠ وهو يخفي خضرة عينيه عن زوجته الحاجة ، الخمسينية القاسية ، التي عودته الطرح أرضا لأتفه الأساب !
حينها تصبح جميع المسالك سالكة ، فنندس بين الأجساد الضخمة ، نسد كل الفراغات ، ننتشر في كل زوايا الصالة الكبيرة ٠
وجودنا في مكان واحد ، يثير انتباه هذا المخبول ،وربما تقتنصنا عيون من يتملقون قصاعه ، فنطرد شر طردة !
نتسترخلف الجلابيب ونذوب في زحمة المعاطف الكبيرة٠
نستمتع -نحن أيضا – كباقي العباد بمستملحات باجلول الوقحة ،وهو يناظر [بنت لقرع] الغمازة، المتبرجة حفاظة غرائب الأعراس، وطرائف المغامرات، فهي من أشرس بنات الليل وأكثرهن حنكة !
تخيم سحب من دخان كثيف ، تتصاعد ٠٠ترسم أشكالا عجيبة غريبة ،تتفكك ، تتكسر على دعامات السقف وتتسرب عبر الشقوق ٠٠تختلط الروائح ، و تتعالى نوبات السعال ، و تتحول الصالة الكبيرة سوق شواء !
تقتنص أنوفنا الصغيرة روائح التبغ والحشيش من الفراغ ، فننتشي كالكبار مجانا ٠٠ نتظاهر بجنون (التبويقة ) لكننا نقمع شياطين شغبنا ،لا نرغب في لفت انتباه أحد من أهل العريس ، فنحن ورم خبيث يستأصل ، أو أزبال ،يمكن أن تكنس في أية لحظة !
تهدأ فوضى الهوام و الصراصير ٠٠٠ و تخلد قطعان الكلاب للنوم والراحة٠ يأخذ التعب من أعضاء الفرقة مأخذه :
جراء شرب كميات كبيرة من الخمر الرخيص، و تدخين لفائف الحشيش والسجائر الشقراء !
يختلسون بعض الوقت ،تدردش النساء ، تترهل حبالهن الصوتية ٠٠ وتبح منهن الحناجر ، فيشذ الإيقاع عن المألوف يصبح ضجيجا مرتبا مملا ، ويختل الأداء !
أجواء فاترة ،تقلق [لمقدم ] وهو كبير القوم ، له قرابة بشعيبة ،ومسؤول عن نظام الحفل ، وبصوته ذي الرنة القوية ، يعاتب أعضاء الفرقة :
– ما ألفناكم هكذايا جماعة ! صلوا على النبي !
بقدرة قادر،نتحول من ملوك الجن الأزرق، إلى مؤمنين صغار يتقنون فن النفاق :
نبالغ في الصلاة ٠٠نكتم قهقهات وقحة ، تكاد تنط من حناجرنا ،علمتنا الحاجة هذا الفن رغم طراوة عودنا ٠٠ ننافق هؤلاء المتسخين ،علنا نحظى بشئ من طعام هذا العرس كباقي أناس قريتنا !
تعم الجلبة خارج الصالة ،حشد كبير من النساء يحضرن شعيبة ،مولاي السلطان، تتقدمهن أمه الحاجة ، وهو ببلادته ، يوزع الابتسامات والقبلات مجانا ، يختال فرحا كالطاووس ، ينتعل بلغة صفراء، ملفوف كحبة البصل في جلابيب خفيفة ثلجية ، يتمنطق بحزام حريري أخضر ، تتأرجح شكارة جلدية صغيرة على خاصرته :
– نعم هذا العريس ، عريس غفلة ، بليد أبلد من الحمار ، وأبصم بالعشرة ، فقد كان كذلك !
بليدا، تافها :لا يفرق بين جنس الحمار والحمارة إلا برفع الذيل، رغم أنه عاشر الحمير ، منذ كان في القماط !
أذكرأن أمه الحاجة حذرته – ذات صباح -وهو يتسلل إلى بستان الصبار، أن لا يتجاوز سلخ أكثر من ثمان حبات من (الهندية ) التي لم تكن نضجت بعد ٠
لكن المعتوه أعجبه نصل سكينه ، فجز رؤوس ثمانين حبة ، التهمها ،دون أن يشعر بخطر يداهمه، وفضيحة تتربص به ،فهندس بناء دعامة إسمنتية صلبة في أمعائه ، فكانت الكارثة !
و قتها تفتقت قرائح شعراء (نص روح )، ونظمت أشعارا لتخلد هذا الحدث العظيم في تاريخ شعيبة ، في ملحمة شعبية رائعة ،نتغنى بها أيام الرعي والحصاد ، وسيطارده كابوسها طيلة حياته ، أو على الأقل مادام بيننا :
– قلت لك كول ثمنية !
– وأنت كليت ثمنمية !
-لواه يامي لواه يالوليد !
-جابوا الطبيب !
جابوا الطبة !
تيتناقبو فيه كالغربا!
كل نقب حبة !
جابوا الزيت ٠٠٠٠٠٠٠٠٠ !
ونسكت عن المسكوت عنه- رغم صغر سننا – فنحن أبناء أصول ، ونحترم خصوصيات شعيبة بطل هذه الملحمة !
شعيبة ، كنا نعرفه أكثر مما في جيوبنا :
مخاطه دوما يسابق هدير خيشومه ، ويتدلى مقرفا مسافة مهوى القرط منه ربما لهذا السبب عرف بيننا(بالديك الرومي)
سبحان الله !
– الرجال يصنعون المال ، لكن شعيبة صنعه المال ٠
ها هو اليوم ! بقوة مال ، جمعه أبوه بالترامي على خيرات قريتنا ، ينصب علينا سلطانا معتوها ٠٠ يتأبط ذراع سلطانة معفونة أبوها أكثر وصولية وانبطاحا !
ها هو وزيره (الرويبعة/شفار البيض) يشد بتلابيبه كطفل يتمسك بثدي أمه ، ويتمسح به كالكليب ٠
كيف له أن لا يفعل ؟
فهو معروف بلعق نعال كبار قريتنا ، وهو أقرب أصدقائه إليه حتى في البلادة !
ها هما اليوم ، يسيران في موكب الملوك تحفهما جموع فتيات جميلات رائعات : ترمزن لاستمراية السلالة ٠٠ وتنثرن تحت أقدامهما مسحوق الزهر ، ومرشة ماء الورد تفرغ حمولتها فوق رأسيهما، أشياء أخرى لم نكن نعرفها ، أمه الحاجة و نساء قريتنا أدرى بها :
-(إيترون يرد كل من هو مقرون) و بعض من أفكارإبليس!
رغم بلادته ، شعيبة يخاف الفضيحة ، هم ثقيل يدفعه خارج اللعبة ، ويقتل فيه نشوة السيادة علينا ،يخشى عنة مبكرة ،قد تجعله أضحوكة أقرانه وعلكا سائغا تلوكه ألستنا !
هم تتقاسمه معه بنت الرباع :
فهي أيضا تخاف ضعف عريس الشؤم هذا ،فتتهم بالتفريط في الشرف ، لحظة ضعف بشري، وهي بريئة من هذه التهمة براءة الذئب من دم يوسف !
يصبح الموكب السلطاني جاهزا ، تضرب البنادير٠٠ تقرع الدفوف تحت ضوء القمر الباهت ٠٠ تصدح حناجر الرجال بأهازيج شعبية ،ترددها نساء أعيان قريتنا المحجبات من وراء الستائر ، وفتحات الأبواب ،تتخللها زغاريد مبحوحة ٠
أهازيج شعبية رائعة ، تعلن انتقال شعيبة من العزوبة ، إلى عالم الرجال !
لكننا كنا نبخس هذا الانتقال المفاجئ الذي فرضه حميدة بسعة ذات اليد،طمعا في مشيخة قادمة٠٠٠ فشعيبة بكر الكبير، وبكر الكبير أولى بها في عرف قريتنا المخبول !
-شعيبة يدخل عالم الرجال ؟أمر لايصدق ،أيصح ذلك ؟
ومخاطه لم يجف بعد على كم دراعته، وخطوط الأوساخ مازالت مرسومة على ساقيه !
تلتهم طقوس ( رواح لعريس) الهزيع الأول من الليل ، في أجواء رومانسية ، تشهد على روعتها ظلال النجوم،خارج صالة الاحتفال ،فنستمتع بها ،رغم موقفنا المعادي لشعيبة الذي ترامى هو أيضا على سلطنة هذه الليلة !
تدور أعيننا الصغيرة في محاجرها ،دورات لولبية حربائية تقتفي حركة غير عادية،حول القدورالمرتبة والمصطفة قرب الباب الخلفي لحظيرة الخراف والعجول ٠
الطيابة منهمكة في ترتيب قطع لحم فوق الكسكس تتراءى لنا كجذوع الأشجار ، وثمة متطفلين منبطحين ، يعرضون خدماتهم المجانية لشعيبة المعتوه :
وقتها نبدأ رحلة مكوكية بين الموائد ،يمعن الكبار في سد جميع المنافد والفراغات بمعاطفهم وجلابيبهم الكبيرة :
لا مكان شاغر ٠٠ فنشرد كالخرفان عن القطيع ٠٠لا أحد يحب -نص روح – لا أحد يرتاح لهذا الجراد القادم بدون دعوة ولا موعد !
ويصطادنا [لمقدم] بعينيه الجاحظتين !
يغرز أصابعه في أعيننا الصغيرة ، و المسكنة تكاد تنط منها نطا ويصرخ فينا :
– نص روح ٠٠نص روح٠٠ برا ٠٠برا ، خرجوا٠٠خرجوا!
جيل قمش ما يحشم مايرمش ، تربية آخر الزمن !
وتلفظنا كل الموائد،لا أحد يهتم بنا نبتلع ريقنا ،مهزومين منبوذين، فنقعى كالكلاب أمام الأبواب في صف عسكري مرتب ، لكننا كنا خارج المعركة ،نمارس لعبة الكلاب ، إلى جانب الكلاب ، لعبة ألفناها في كل أعراس قريتنا :
– انتظار الذي ربما يأتي أولا يأتي !
فتحلق أنوفنا الصغيرة حول الحظيرة ٠٠ تقتفي أثر روائح كسكس شهي ،يعبق بها هذا الخلاء المظلم الفسيح !
تأتي الصحون مملوءة تباعا ٠٠محمولة على الأكف ،فتعانق موائد الكبار الشرهين، فننتشي بمضغ روائح الزعفران ، ونتلمظ ملوحة الجوع ، ونحن نلوك فتات أحلامنا :
فنتحول حشرات زجاجية شفافة خفية، تغوص في أعماق القدور الملأى بشهي الطعام ،فتأكل حتى التخمة ،انتقاما من جوع عرس هذا المعتوه!
لحظات تحبس منا الأنفاس :
تنتهي معركة القواطع ٠٠تأتي الأكف العريضة المتسخة على ما يعلق بقيعان الصحون من فتات !
توضع فارغة – في الخلاء – أمامنا ، فقط بعض من لقيمات كسكس قليلة ، تعوم حبيباتها في بركة مرق متسخ بارد ،لكنه لذيذ ،فنتقافز كالجرذان ، نلتهمها ، ونكمل وجبتنا بمص الأصابع !
تقذف الكلاب بما تبقى من عظيمات ، تحتد المناوشات وتجرد القواطع والأنياب ، وتبالغ في البصبصة والهرير والهسيس والنباح المكتوم :
معارك دموية قاتلة من أجل لاشيء !
نحن أيضا لم نكن أحسن حالا من الكلاب ،مكرهين كنا نخوض هذه المعارك ،من أجل فتات تافه حقير،
جادت به علينا أكف الكبار القذرة، المتسخة !
تتوقف الطواحين عن الدوران ٠٠ تنتفخ البطون ٠٠تمسح اللحى ٠٠ تنظف الموائد ٠٠تنقى الأسنان بأعواد الثقاب ، توزع الحمدلات والبسملات والحوقلات المجانية ٠
تبدأ ثرثرة الشيخات من جديد ، يصلحن ما أفسده العرق من زينة الحواجب والخذوذ والشفاه ، وهن يتهيأن لرقصة الوداع الأخيرة ٠٠
تلوح تباشير الصباح في الأفق البعيد ، تختلط الأهازيج وأغاني الفرقة بصوت المؤذن المتهدج يعلن صلاة الفجر ، و فيه بعض من آثار النعاس !
وتداعب نسيمات باردة وجوها مخمورة متعبة ،تنبت فيها عيون ذابلة دامعة ، بالكاد تفتح !
تنفد السجائر و ينضب معين الخمور ٠٠ تدخن الأعقاب ، وتقطر القنينات الفارغة حتى القيعان ، ويخبو بريق بنت لقرع ٠٠٠ ويبدأ الضيوف في البحث عن نعالهم ، في أكوام النعال ، استعدادا للرحيل !
يقحم شعيبة في بيت بنت الرباع ،ويحكم إغلاق الباب !
لحظات ا نتظار عصيبة ثقيلة حد القلق .
تتحول فتيات مراهقات جميلات [زامبيات دمويات ] يلهثن وراء الدم ٠٠الدم ٠٠ يبحثن عن الزلات ،لاشيء غير الدم ، فهو قربان الشرف ، ومعيار الطهر والعفة !
تفتح عويشة باب غرفتها ، ترمي سروالها الأبيض ملطخا بالدم في وجه أختها الصغرى !
تسري همهمات وهمسات مكتومة بين جارات ، تعودن الصيد في الماء العكر ٠ تسر واحدة لأخرى:
-دم شاحب أصفر،ما رأينا دما هكذا ،أظنه دم صيدليات !
تلذغها كبيرتهن بظفر كشولة العقرب ، وتنهرها :
– لسانك ٠٠ لسانك يا بليدة ! إحفظيه في الحنك، وسدي بالوعتك ،فالليل له آذان ، والنهار له عيون!
بحماس تلتقط ، أخت العروس السروال، وتضعه في صينية نحاسية ،مع قليل من الحناء وبعض القوالب من السكر !
وتغيب في زحمة العتمة ٠٠ تحفها أسراب من الفتيات – بنات قريتنا -،ويشرعن في الطواف على جميع منازل القرية ، تأكيدا لعذرية عويشة ونكاية بالأعداء !
-آ عويشة ٠٠٠ آ المرضية !
-بنت الرجال المحضية !
-سيدالرجال دتيه انتيا!
نتسلل -نحن نص روح – خلسة كما دخلنا ، تحت خيوط الفجر الأولى ، من عرس هذا المعتوه ، نجر أذيال الخيبة :
مقهورين مذلولين ، نغالب النعاس والجوع ، و بقايا أهازيج الفتيات ، تنزل على مسامعنا كالمطارق، نسمعها بعيدة٠٠ بعيدة ٠٠بعيدة ٠٠فتثير في نفوسنا شعورا بالغبن والدونية !
نعرج على بيدرنا ، و نرتمي فوق أكوام السنابل ،أجسادا
بلا أرواح ٠
و نغيب في سابع موتة /سابع نومة ،و كوابيس الكسكس اللذيذ المعطر بروائح الزعفران، تعبث بأمعائنا الفارغة!
بقلم الاستاذ : صالح هشام
الاربعاء ١٣ ابريل ٢٠١٦
توضيحات :________________________________
_نص روح : نصف روح لقب يطلق على الاطفال
_التبويقة : هذيان المخذر ات!
-خربوشة ، العلوة ، من الاغاني الشعبية في المغرب
-البوكر / الخوروطو / : من شتائم المأزومين
- روائح الزعفران
- التعليقات

