يسألونني: ماذا تحب أن تكون عندما تكبر؟
أجيب: طبيبا.
لأنني كلما سألتهم: الأوائل والمتفوقون ماذا يصبحون عندما يكبرون؟
يقولون: أطباء.
كل ما أعرفه عن الأطباء أنهم؛ يرتدون نظارة، صُلْع، لهم بطون منتفخة.
في الأعياد كانت النظارة أول لعَبي شراءً، لأتقمص دور الطبيب بين أقراني.
أكره زيارتهم جدا ككل الأطفال، ولا نذهب إليهم إلا في الشدائد.
لي عمَّان؛ أحدهما صيدلانيا يحمل في جيوب السديري أعشابا طبية، والآخر أستاذا في وخز الإبر.
إذا أصابني الزكام، يأتي عمي الصيدلاني ببصلة ويفركها في أنفي، وإذا اشتكيت من مغص يغلي نعناعا لأشربه، وعندما ترتفع درجة حرارتي يعصر ليمونة على جبهتي وصدري وبطني، ويصبح جسمي لزجا مع رغبة شديدة في الهرش.
دخل ليلة فوجد أبي يجلس بجانبي على السرير قلقا، وأنا أصرخ من شدة ألم أسناني، أخرج كيسة من جيبه وفك رباطها بأسنانه، وأعطاني بعض الأعواد السوداء ”قال: أنها زهرة القرنفل“ لأمضغها، لم تمر إلا دقائق معدودة وزال الألم، وزال معه قلق أبي عليّ.
في بعض الأحيان لا تأتي صيدلية عمي المتحركة في جيبه بالمرجو منها، فنضطر للذهاب إلى الطبيب.
يوهمني أبي أنه سيصطحبني معه لزيارة أحد أقاربنا في المدينة، حيث الحلوى والهريسة وما أحبه، أسعد بذلك كثيرا، أغيِّر بسرعة ملابسي بمساعدة أمي، وأظل على حِجْره مطمئنا طوال الطريق.
على سلم العيادة أشم رائحة الديتول المنبعثة، أعلم أنه فخ قد نُصِب لي؛ أتراجع، يحملني أبي؛ لا مفر، أجهش بالبكاء، ينهرني، يضع سبابته على فمه محذرا إيايَّ من البكاء؛ أكتم بكائي، أبكي بدون صوت؛ نهنهةً تهزني، مقاوما دمع العين الملح في النزول، وتسيل دموعي خلسة على الوجنتين.
نجلس في صالة الانتظار حتى يأتي دورنا في الدخول، ما أطول هذا الوقت على نفسي، يصرخ قلبي مع كل صرخة طفل في العيادة، وأتحسس موضع الحقن في جسدي.
ينادي مساعد الطبيب على اسمي، يسحبني أبي من يدي وندخلا غرفة الكشف؛ يلقي التحية على الطبيب ويصافحه بإجلال.
طبيب متجهم؛ قليل الكلام، لا يداعب الأطفال!
تكلم مع أبي قليلا، ثم التفت إليّ قائلا: اطلع على السرير.
لتأتي أصعب لحظات الزيارة وذروة رعبها، عندما يخرج الترمومتر الذئبقي من زجاجة المطهر، ويقول بوجه العبوس -أو هكذا كنت أراه-: ضعه تحت لسانك.
لتبدأ المعاناة ما بين محاولة تثبيته تحت اللسان وانفلاته، بالإضافة إلى طعم المطهر المحفز على الغثيان، وفوق كل ذلك متابعتي بذعر موضع يديه خوفا من وخز الإبر.
نخرجا لأجد أبي يشد وثاقي بيديه ليتمكن مساعد الطبيب من وخز الإبرة، يشتد بكائي ويعلو نحيبي؛ أستجديه، أستعطفه، أتوسل إليه أن آخذها في البيت بيد عمي، أخيرا يشفق بي ويرق قلبه لتوسُّلاتي ويوافق مشكورا على طلبي.
رجعنا إلى البيت وأرسل أبي لإستدعاء عمي أخصائي الإبر، لأفي بوعدي وأقف رجلا في وجه سن الإبرة المدبب، وبينما أرجف خوفا منتظرا مجيء عمي، جاء المرسل بأسعد الأخبار إلى قلبي، قال: إن عمي أخصائي الحقن الوحيد في القرية ذهب لأداء واجب العزاء في صديق له بمحافظة أخرى، ولن يأتي إلا بعد غد!