بسط الوجوم كلكله على مدرج الباخرة.
مُذْ أعوام وهما يؤجّلان هذا الارتحال..
كانت الضّفّة الأخرى تتراءى لها في كلّ حلم فردوسا بين بواسقه يينع دربهما.. ظلّت تحدّثه عنها حتّى نخرت سَدَّ الصَّدّ فيه فتعلّق بأهداب حُلُمها..
أرهقته حساكة أديم العمر على ضفّتهما المجدبة فاقتفى معها كَرها خُطى ما ترى..
لم تتوقّف عن أحاديثها تلك وهما ينتظران في مقهى الميناء.. عيناها ترفلان في وهج الشّوق وكلماتها تتناثر كحبّات هطل على أديمِ وجومِه الأَخْشَب..
تفور دماء الحماسة فيها فتتوه تارة خلف ضحكات صبيانيّة تلاحق شذى الفرح هناك، وتضرب الأرض بكاعبيها في نقرات الرّاقصة مع الغيم على همس الأفق طورا آخر..
خيول المساء تخبّ على صفحته المتلبّدة..
ضاقت ذرعا بعبوسه وهي ترى الغد تكاد ترسمه على زَبَد الضّباب..
رنت إليه وهو خلف حُجُب الصّمت يقبع جزعا..
دنت فحَنَت ثم ردّدت هامسة:
-مالي أراك تعصف ضاجّا وتلك قطوف وذاك نسيم وهذا رواء؟!.. يمّك يُزبد وسماؤك تُرعد كأنّ الفكر فيك يهدّد رجْما بغضبة صاعقة..
تلاطمت لُجج التّيه في عباب الوصال، فمهمه موغلا في مكابدة حجب عتاب:
-كفاك احتجاجا.. أرى نبضا فيك لجوجا يوشك يُغرق مراكبي الرّاسية..
كفاك بصمتي ضجرا.. فإنّي كحفر الصّخر بالظّفر كابدتُ رسم المسارات وخطّ الثّنايا.. رفقا بصحف حبّرتْها شجوني في رفوف الصّبر قصيدا به ترنّمت بلابل العمر رغم بُوم صُروفٍ ظلّت في فيافي الدّروب مجفلة ناعقة..
رسمتِ لي على لُجج الأحلام دربا أراه مهولا، أراه عسيرا.. وعتمة اليمّ تُجفلني، وفرعون الحنين إلينا، على ضفّتنا، بهواجس الغرق القديمة يرجُمني…”
تباكت دلالا.. قالت:
-رويدك خلّي، لا تعتب.. إنّي بقيظ المُنى بتُّ هشّة هشيم الحصاد تذروه أكفّ ليلة عاصفة.. وما للطّفلة إن تأرجحت فيّ غير همس الرّضيع للرّحم افتتانا برجفة مخاض في الخاصرة..
هناك، على الضّفّة الأخرى، أرانا.. يهلّ طَلُّك على الرّوح فجرا نديّا، طيرا يجوب إلى الأفق سماء بلا رعودِ ذاكرة..
فأنّى لا يلجّ نبضي وخُطى خافقي، أراها عليها، تنساب إليك بين خمائلي الولهى نهرا لُجينا يرحل بلاغاية سابقة..؟
تغرغر بتنهّدة حارقة ثمّ همس:
-أراك ترفرفين حَمَامًا، وخطوي في دروب الحلم ثقيل.. أخشى تهوين عنّي ارتحالا أو إلى فيئنا البعيد، ذات غد، دوني تؤوبين..
تهاوت على المقعد كرُكام حلم وقد أوهنها عزفه على قيثارة الهلع.. تشبّثت بساعده مندَسَّة في بعض دفء معطفه وهي تتمتم:
-أنبضي الممتد منّي مع العمر وجلا، لا تُجزعنّك رفرفتي.. فأَنَّى ترى الغصنَ يرحل لهفا للألق والجذورُ في طيّات الاديم منك باقية..؟ ومتى ارتحلت بهبّات النّسيم بواسق حنّت إلى واد به انتصب أهلها، أو بكى الطّير المهاجر يوما خريرَ الماء في ساقية..؟
رويدك لا تجزع من اختلاجاتك، ذي انبلاجات صباحات العمر مؤذنة بالعبور، والتفاتة المسافر آنَا، ما منعت قَطّ إقلاع الطائرة…
تأمّلت صفحته المزدحمة بتراتيل الوله والوجل والحيرة ثمّ أردفت:
نبيت نلملم سرابيل الأفول في كلّ آن، ورجفة الفؤاد لا تمتطي إلى الغد راحلة الذّاكرة.. أخلّي إن ضججتُ سؤالا أو لججتُ، ذاتَ هِنة نبضٍ، مقالا، كفكفْ دواتي لتظلّ حروفُ تَيْمي ترتشف ما فيك من روافد الأسطر السّاحرة…
تناثرت زخّات رضى على وجهه ابتساما..
هفا، دنا، ثم سما.. وبلحظ اضطرام الوجد فيه انساب همسُ اللّفظ:
-تلك دروبك فيّ، فيها أتوه، أَعَبَقَ الرّوح المندلقة من تسنيم الحُلم، جوبيها ناثرة حَبّ صباحات لا تَهرم.. جولي فيها خَفْقَ فَراش كما هدهدتْك نسائمُ العمر المغرّد فيك بلحن الوجود، يُراقصك الرّويُّ منه والقافية…
ولا تستعجلي منّي ربيعا سريع الحلول، بنفخ هاجرة يسيرا يزول..
وقولي: “من يَمْتَطِ المِلْحَ تَرالعمرَ في ِفيه يحلو، وكالنّجم في رحم السّماوات يرْقى ويعلو..”
هلّلت السّفينة للرّحيل..
تأبّطا الحلمَ وجرابَ أمنيات تنتظرها الضّفّة الأخرى..
ثمّ تصعّدا..