من صميمِ العدمِ المطلقِ، حيثُ تتلاشى وشوشاتُ الكينونةِ، انبثقتْ ريشةٌ. لم تكنْ محضَ زغبٍ عابرٍ تذروهُ رياحُ الفناءِ، بل كانتْ وميضَ روحٍ أزليةٍ، صرخةً تتأججُ في صميمِ الوجودِ، توقًا للحياةِ. انسكبتْ على بياضِ الأزلِ الساجي، كقوسِ نجوى يُطرزُ بندى الأرواحِ، مُحتضنةً في خيوطها المجهريةِ همسَ الدهورِ، وشجنَ الذكرياتِ التي داعبتها أناملُ النسائمِ، كقبسٍ يتوهجُ ثم يخبو.
كلُّ زغبةٍ فيها سرٌّ قديمٌ، ملحمةُ هويٍّ وشوقٍ أزليٍّ يتأجّجُ للارتفاعِ. لم تكنِ الريشةُ أسيرةً للأتربةِ، بل خفقةً وهاجةً في جسدِ فضاءٍ أثيريٍّ لا تُدركُ أبعادُه، مترنمةً في سلمِ التوقِ المقدسِ، حيثُ تُعانقُ الرفقةُ أفقَ الوصالِ، وحيثُ الفضاءُ يضمُّ أفواجًا من أشباهها، كنجومٍ تتهادى في فلكِ الوجودِ.
وفجأةً، كأنما نُفخَ فيها لاهوتٌ خفيٌّ، تخلّقتْ منها ثلاثُ ظلالٍ كتابيةٍ من صميمِ الأثيرِ الأبيضِ، ثلاثُ طيورٍ قمريةٍ ضئيلةٍ، جليلةٍ في رمزيتها، تشقُّ صمتَ البياضِ الباذخِ كشعلةِ أملٍ تضيءُ غياهبَ الكونِ. لم تكنْ مجردَ طيورٍ، بل كانتْ أرواحَ أحلامٍ مكبوتةٍ، تجليًا لعهودِ تحليقٍ أبديٍّ نحو اللامحدودِ.
كانتْ هذه الطيورُ، برغمِ ضآلتها التي تكادُ لا تُرى، تحملُ في خفقاتِ أجنحتها المتراقصةِ كلَّ أمنياتِ الريشةِ الجاثمةِ. كانتْ تتراقصُ في فضاءِ البهاءِ الأزرقِ، وكلما ارتفعتْ، خفَّ وزنُ الريشةِ كأنها تتخلصُ من أغلالِ العدمِ، وتراقصتْ على إيقاعِ همسِ الريحِ، كرقصةٍ أثيريةٍ مقدسةٍ تُرتّلُ في معابدِ الوجودِ. لم يكنِ الصعودُ مجردَ حركةٍ عابرةٍ، بل انفلاتًا روحيًا، وسموًا متساميًا نحو المطلقِ الذي لا يعرفُ حدودًا.
في كلِّ تحليقةٍ، كانتِ الريشةُ تستشعرُ كأنها تتناثرُ في الأفقِ الرحيبِ كذراتِ نورٍ ذهبيٍّ معتقٍ بأنفاسِ النجومِ، تتوزعُ بينَ النجومِ البعيدةِ، وتتآلفُ مع زرقةِ السماءِ التي تُعانقُ الأبديةَ. لم تعدْ ريشةً وحيدةً، بل نغمةً عميقةً في سمفونيةِ الكونِ، وترنيمةً رقيقةً في معزوفةِ الخلودِ، تُلامسُ أوتارَ الأرواحِ. كانتْ ريشةَ الروحِ المحلقةَ، التي وجدتْ حريتها في إطلاقِ أحلامها لتعانقَ أفقَ الفضاءِ، وفي رؤيةِ أمنياتها تلوحُ كبشائرَ نورٍ تضيءُ دروبَ الأملِ، شاهدةً على أن الضعفَ الظاهريَّ يختزنُ قوةَ الأجنحةِ الخفيةِ، وأن السقوطَ ليسَ نهايةً، بل إيذانًا بارتقاءٍ لا تُضاهى، وبزوغِ فجرٍ لروحٍ تتوقُ لعناقِ الوجودِ المطلقِ.
لكن، في ومضةٍ خاطفةٍ من صحوةٍ أزليةٍ باردةٍ كالجحيمِ، انكمشتْ كلُّ الأبعادِ المتخيلةِ، وتجمدتِ الأنفاسُ في جوفِ الوعيِ، فأدركتِ الريشةُ والطيورُ حقيقةً قارسةً مروّعةً: لم تكنْ رحلةٌ قط، بل كانتْ مجردَ وشمٍ ثابتٍ، محفورٍ بأحبارِ الوهمِ، على صخرةِ الصمتِ الأبديِّ، لا يبرحُ مكانهُ قيدَ أنملةٍ، محبوسًا في خلودٍ بلا حَراكٍ، على صفحةٍ بيضاءَ صماءَ، لا روحَ فيها غيرَ وهمِ التحليقِ.
- سرابُ الأجنحة
- التعليقات


