أكثر ذكريات الطفولة التي مازالت راسخة في ذاكرتي، هي ذلك اليوم الذي عثرنا فيه على وريقات صفراء مهترئة من كتابٍ قديم. انتابنا الفضول لنعرف ما فيها؛ تحلّق الجميع حولي عند زاوية المقبرة، بينما توليّتُ مهمة القراءة. فقد كنتُ المميز بينهم في المدرسة، ولهذا السبب اعتقدوا أني الوحيد القادر على فك الطلاسم. كانت مكتوبة بخط اليد، لكنها كانت واضحة ومقروءة بسهولة، على عكس ما عُرف عن الطلاسم. لم أدع بقية الأطفال ينتظرون كثيراً.
_هذا كتاب سحر.
_ هذه الأوراق عبارة عن وصفة لاستحضار الأرواح.
_ نحتاج إلى بخوّر وكأس زيت وصلاة ركعتين، ثم قراءة هذه الطلاسم لنستحضر أحد الأرواح.
تبرّع أحدهم بجلب البخوّر بحكم عمل أبيه في العطارة، وهو الشرط الأصعب في الوصفة وفق اعتقادي حينها. فالزيت متوفر، والصلاة معروفة، و الطلاسم مكتوبة. بقي شيء واحد، الروح التي يتوجب استحضارها. بكل ثقة بالنفس خاطبتهم:
_إذا أحضرتم البخور الآن، سأستحضر روح جدي.
كانت خطتي واضحة وسهلة؛ جدي توفي منذ عدة أسابيع، والمنطق يقول أن استحضار روحه سيكون أسهل من شخص متوف منذ مدة طويلة، وهو بحكم محبته لي، بالتأكيد لن يؤذيني إذا تعقدت الأمور. حضر البخّور بسرعة، وحانت ساعة الصفر. أعطيتُ تعليماتي لأولاد الحارة بالجلوس تحت نافذة بيتنا، المطلّة على الشارع، للاستماع لحديثي المرتقب مع جدّي رحمه الله. بينما دخلت أنا إلى المنزل، ثم بدأت بالوضوء، مغافلاً والدتي التي كانت تقوم بتحضير طعام الغداء. سرقتُ علبة كبريت، وملأت فنجاناً من زيت الزيتون، ثم دخلتُ إلى الغرفة المطلّة على الشارع. أقفلت الباب بالمفتاح من الداخل، صليّت الركعتين، ثم أرخيت الستائر و أشعلت البخوّر. تماماً كما هو مذكور في الأوراق.
جلستُ على الكنبة، واضعاً فنجان الزيت على طاولة صغيرة أمامي، ومن خلفها ألسنة الدخان الصادر عن البخور تتصاعد بهدوء.
بدأتُ بقراءة الطلاسم، مع تقدّمي بالقراءة، بدأ الزيت يرتج ببطء، ثم يزداد هذا الارتجاج سرعة، وكأن هزّة أرضية قد حدثت.
في نفس اللحظة، صار الدخان يتلوى بشدة أكبر.
انتابني فزع شديد، خرجت من الغرفة راكضاً إلى الشارع لا ألوي على أحد. وقبل أن ألتقط أنفاسي، اكتشفت مصيبة أخرى، الجميع كان بانتظار سماع صوت جدّي، فبادرت بسرعة للوم من أحضر البخوّر، متهماً إياه بأنه من النوعية الرديئة لذلك فشلت العملية. وكعادة الأطفال، سرعان ما نسينا ما حدث، وانشغلنا بمتابعة لعبنا المعتاد.
لكن في المساء حدث مالم يكن متوقعاً، عند موعد نومي، دخلت إلى نفس الغرفة التي شهدت مغامرتي المجنونة، استلقيتُ على الأرض بجانب السرير، وقبل أن أغفو شعرت بضربةٍ قوية على ظهري، حتى شعرت أن أمعائي تكاد تتمزق، ركضتُ فزعاً وأنا أصرخ:
_حرامي… حرامي.
طبعاً لم أدرك ساعتها ما حدث، ولم أربط الأحداث ببعضها، فظننتُ أن لصّاً اقتحم الغرفة، لكن التفتيش الدقيق أثبت عدم وجوده. في الليالي التالية عند نومي، كانت أيادٍ طويلة تمتد إلى خاصرتي، أستغرق بنوبة من الضحك، حتى أكاد أختنق، أحاول الصراخ والاستنجاد بأحد لكن لا أستطيع. حتى أثناء استيقاظي، كانت هذه الأيادي تلاحقني عندما أكون لوحدي في المطبخ، أو الحمام، أو أي غرفة. لم يعد الأمر مقتصراً على الليل، في النهار، صارت أبواب الخزن، تفتح وتغلق، من تلقاء نفسها. في لحظة خوف اعترفتُ لأمّي بكل شيء، فقد كنتُ متأكداً من قدرتها على إيجاد الحلّ المناسب. بالفعل جاء الحلّ سريعاً.
_البس ثيابك بسرعة، سآخذك لعند الشيخ وصفي.
_ أكيد عين وصابتك، الشيخ هو الوحيد القادر على فك العمل المعمول لك.
عند وصولنا للشيخ، شعرت ببعض الراحة، فالصالة كانت ممتلئة بسيدات، وعجائز، وأطفال، والشيخ وصفي بلحيته البيضاء المهيبة يتلو عليهم من كتاب الله، ويزودهم بحجب لفك السحر عنهم، وكنَّ جميعهن تغادرن مسروارات، مما شكل عندي قناعة أكيدة بنجاحه في حلّ مشكلتي. عندما حان دورنا في الجلوس أمامه، وقبل أن تروي له أمي المشكلة، وضع يده على رأسي، وصلى على سيدنا محمد، وتلى بعض القرآن. شعرتُ فوراً بالهدوء والسكينة، اللتين طالما افتقدتهما في الأيام القليلة الماضية.
_سيكون لابنك شأنٌ عظيم في المستقبل بإذن الله.
قالها، ثم سأل عن المشكلة. بعد أن أنهت والدتي سرد ما حدث بأدق التفاصيل. أمسك قلمه وكتب على ورقة صغيرة كتابات لم أفهم منها شيئاً، ثم لفها مع بعض أشياء صغيرة لم أتبينها.
_خذي هذا الحجاب، انقعيه بالماء ثم اسقه للولد.
_بعد ذلك أخيطي عليها قطعة من القماش وعلقيها برقبته، وسيشفى بإذن الله.
قبل أن نغادر، همس في أذني:
_هل نفذّت كل ما هو مكتوب بالورقة بحذافيره.
_نعم يا شيخي.
_هل قرأت كامل الطلاسم.
_لا يا شيخي، عندما اهتّز الزيت، شعرت بالخوف، فلم أقرأ السطر الأخير.
قهقه الشيخ بقوة، حتى ضحكت معه جميع النسوة، دون أن يدرين لماذا يضحك. اقترب مني، وهمس مجدّداً.
_لقد سببت مشكلة لجدك.
_السطر الأخير، ضروري جداً لإرجاعه من حيث أتى.