كعادته لم يفكر في أي شيء، حتى شكل هيئته وقت خروجه، لم ينتبه لنفسه أمنتعلا أم حافيا؟! دائما في ذاك الظلام الحالك تحدث أمور مريبة، خفة يد متناهية في الدقة تنجز ما تريده دون أن تخشى الفقد! إنه ذلك الألم الذي لا يشفع فيه أحد ليكون بوطأة الهدوء، قال في نفسه منذ تلك الليلة وأنا أخرجُ (ظلاما) أحث السير إلى حيث لا جهة، لا أعلم ما هذه العادة التي اعتدت عليها، ولكنني صرت مبصرا … سمعت قصصا كثيرة وحكايات تختلف عما نعيشه في حياتنا العادية، سمعت بل تسمعت خططا تدار في جنح الليل المظلم على إيقاع كؤوس تنذر بلذة محرمة تتساقط على إثرها أرواح لتدفعها أخرى وتحل بها فاقعة!! ياللهول بل يالليل البهيم .. إنه يتنفس كالنائمين وعلى ظهره تسبح حيتان جوعى … كانت تراقبني كل ليلة تنتظر اختفاء ظلي عند آخر ضفة من شوكة شارع الشحاذين .. هكذا يطلقون عليه .. فهم يلتحفون الأرصفة ويراقبون المارة وأرقام العربات ، أشيع عن أحدهم أنه كان يبحث عن شخص ما… ما إن وجده حتى قام بتفجير نفسه وسط مرأى ومسمع الموتى، سألتها لماذا تنتظرين اختفائي وسط حلكة الشارع ؟! لم ترتبك بل تداعى جسدها كراقصة ماجنة، و ضحكة غبية ألجمت تفكيري ، إنني يقتلني الشوق … وحينما تخرج أخاف ألا تعود، مرت تلك الليلة بسلام حيث شربنا ورقصنا على أنغام الرصاص المنبعث بلا شفقة من كل حدب وصوب، تحسست رأسي الذي بات يخلو من الشعر ففي كل يوم تسقط شعرة تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت هطول الكلمات المتعبة وأنا منهك، قالت لي أخشى أن تحش هذا الرأس رصاصة طائشة، اهتز بدني قليلا ولكنني أظهرت لامبالاتي كعادة طائر الطاووس حين ينتفخ وتنفرج ساقاه النحيلتان.. لن يصيبني شيء، وأشرت نحوه بسبابتي:هذا الرأس مليئ بالمؤامرات، إنه سجل حافل بخبثهم ودهائهم ومكرهم!
ولكنك تخرج كل ليلة ؟ إلى أين لا أدري.. قل لي ولو لمرة واحدة هل لديك عشيقة؟!
توقفت كل الإجابات ومال شكي نحو ما كنت أوسوس به..زوجتي تؤمن بالعشق؟ هل تنتظر أحدا ما كلما خرجت أتسور محاريب القوم!! تلك الليلة لم تنتظرني.. ولم تفتح الشباك ولم أر الأنوار ، أهي نائمة؟! رجعت أدراجي أجر شيئا من أحاديثهم حول آخر عملية اغتيال ، يريدون بها إطاحة رأس خطير كانوا قد وضعوه وسط الحثالة ليسوق بضاعتهم الرخيصة بكل دهاء ثم ينتقم من الجميع إلا أنه غدرهم وصار سيد الشحاذين الذين يأتمرون بأمره ويتسللون خلف الأقبية ليفعلوا ما أمروا به .
طرقت الباب بلطف، ما من مجيب ، كان السكون على غير عادته، فهي ما إن تشعر بي حتى تشعل أنوار المدخل محدثة ضجيجا وجلبة مبتدئة بالترحاب ومختتمة بالحديث عن آخر إنجازاتها في وحدتها…!! تنحنحت ، ابتسمت ولأول مرة أشعر بثقل الابتسامة على شفتي المزرقّتين، أردت أن أذكر اسمها، وكأنه ختم على لساني بعدم النطق، كان المكان باردا مجوفا ورائحة غريبة تنبعث منه بل روائح مختلطة بين البارود والدم وعطرها الذي يثيرني على الأغلب والطعام يبدو أنها لتوها فرغت من طهوه.. ماذا حل بالمكان ؟ كانت كـدُمية مسجاة على الأرض كأن أحد الأطفال قد عبث بها !!! ممزقة الثياب ولم تعد ألوان ثيابها واضحة إنها غارقة في الدماء وعيناها تنظران نحو النافذة !!!
- سيرة الموتى
- التعليقات


