كنت أعلم أن أبي سيسافر فجرا إلى الإسكندرية، هو وبعض من أصدقائه، ظللت متصنعا النوم حتى رأيته، يستعد للمغادرة، صحوت من رقادي المزيف صارخا: خذني معك يا أبي
نظر إلي مكشرا، تلك التكشيرة التي أعلم أن ستسفر عن لا شيء، وسينتهي الموقف لصالحي، ضاعف أبي من تكشيرته وهو يصرخ في قائلا: نم يا ابن ال…… أنا مسافر لعمل وليس للفسحة، اذهب لبيت جدك مع أمك وأشقائك…أنت تحب الذهاب إلى هناك، ستمكثون أسبوعا ريثما أعود.
تماديت في البكاء والصراخ، كنت أعلم مقدار خوفه علي، كانت أوعية أنفي الدموية ضعيفة تنزف من أقل خبطة عليها، قلت له مهددا:
…سأخبط أنفي في الحائط وأنزف ولن تسافر لا أنت ولا أنا
نظر إلي أبي متعجبا، وسرعان ما تحول عجبه لتلك الابتسامة التي أعشقها، واكتملت فرحتي لما سمعته يقول لأمي:
…جهزي ثياب ابن ال…. سأصطحبه معي لا مفر، عليك العناية ببقية الأولاد في بيت أبيك أعانك الله
وسافرت مع أبي إلى الإسكندرية، كانت أولى مغامراتي، أن جعلت أبي يشتري لي عصا جلدية، اسماها أبي عصا السادات، كان ثمنها خمسة جنيهات كاملة في ثمانينات القرن الماضي، لم نكد نخطو بضع خطوات في شارع المحطة، وقبل أن نركب سيارة تقلنا للفندق،
لمحت حانوتا يبيع كاميرات تصوير، كنت طفلا في العاشرة من عمري، وصممت أن يشتري لي كاميرا كوداك، بتسعة عشر جنيها، أعتقد أن ميزانية أبي قد تأثرت كثيرا، في خطواتي ودقائقي الأولى في عروس البحر المتوسط، لم اكترث أو لم انتبه، ذهبنا إلى الفندق ونمنا مرهقين.
في باكورة أول صباحاتنا هناك، ذهبنا إلى الشاطيء، قطع أبي وأصدقاؤه تذاكر الدخول للشاطيء، صممت الحصول على تذكرة لي، عبثا حاولوا إقناعي… أبي أصدقاؤه وحتى عمال الشاطيء… أن الاطفال مستثنون من الدفع، لم اقتنع، قطع لي أبي تذكرة، في الشاطئ ناديت بائع الصحف، صممت أن يشتري لي أبي مجلة ميكي، كان سعرها على الشاطئ أضعاف أضعاف سعرها خارجه، لكني صممت ورضخ أبي، ركبت قاربا يؤجرونه على الشاطيء، الساعة بعشرين جنيها، لم يمانع أبي، ونحن عائدون إلى الفندق في نهاية اليوم، لمحت محلا كبيرا يبيع قواربا مثل القارب الذي استأجرته على الشاطيء، صممت أن يشتري لي أبي واحدا، وشرعت في البكاء، وأبي ينظر إلي مفكرا للحظات ثم قال لي:
…سوف اشتري لك واحدا، لكن النقود التي معي الآن لا تكفي سنعود إلى الفندق ونحضر النقود، ثم نشتري لك أكبر قارب.
وعدنا إلى الفندق، وفوجئت بأبي يجمع ثيابنا في الحقيبة، ويصطحبني إلى محطة القطار، ويعود بي إلى بلدنا بين ذهول ودهشة أصدقائه، وبالطبع بكائي الذي لم يتوقف حتى عدنا لبيتنا، واتصل أبي بأمي لتعود بعد يوم واحد قضته في بيت أبيها وليس أسبوعا.
- شقاوة
- التعليقات
