لعقت دموعٓها المرًةٓ المنسابة على شفتيها، كتمت صرخةٓ أنين كادت أن توقف قلبها المطعون النازف.
بلا وعي لملمت أكوام الملابس، وضعتهم في حقيبة كيفما تيسر، وقالت لنفسها بإصرار موجع:(الآن سأعيش بلا قلب، لن أحتاجه بعد الآن).
جلست تنتظر بوهن وهي تعيد ترتيب الأحداث.
أحبته بكل ما امتلكت من مشاعر،بادلها حبا بحب، عاشا قصة حب كانت حديث المحيطين، وفي نفس الوقت أثارت استغرابهم، فهما من بيئتين مختلفتين،ورغم اعتراض أهلها،تزوجا.
وتوّجٓ هذا الزواج ولدٌ ملأ حياتهما بهجة.
سنوات وكان الحب رصيدهما في التغلب على مصاعب الحياة .
كانت تظن أنها تعيش أجمل قصة حب مع زوج متفهم، وحبيب يقدر كل تضحياتها، وإنه سيصونها ويحميها من غدر الحياة، وأذى العقارب المتربصة.
سنوات وهي الزوجة والحبيبة والسند والداعم والمضحي، والأم الحنون المعطاء.
أعماها الحب عن رؤية الذئاب المقنعة بقناع الحمل الوديع، لم تكترث لوجودهم فهو الراعي والحامي، واذا بيد القدر تهزها لتستفيق وتخرج من تلك الحفرة التي نزلت بها بإرادتها وهي مغمضة العينين، وبدون سابق إنذار ،وبمحض الصدفةربما لعبة القدر، أو صفعته وجدت نفسها الزوجة الأولى المخدوعة المستغٓلة،وعلى دفتر العائلة أضيف اسم الزوجة الثانية .
لم يستوعب عقلها، ولم يحتمل قلبها، وفجأة صارت في قلب الدائرة وهي تدور بها بأقصى سرعتها.
أصابها الدوار،لكنها أدركت أنه كان يتغذى من طهر قلبها، ونقاء معدنها.
قررت وقبل أن يهدأ قلبها ويحنّ، أن تتقيأ زوجها،وقبل أن يدوس على كرامتها المطعونة خلعته من حياتهاكما تخلع ثوبا باليا،وترميه في سلة النفايات.
أحست بالعري، وأنها ذرة غبار تذرو بها رياح الحياة،لا هي تطول سماء ولا أرضا. تكورت في شرنقتها ريثما تجد الخلاص من هذا الصراع والضياع. ..أجل هو الخلاص، هو عزاؤها وأملها وفرحتها بهذه الحياة العقيمة الجدباء ،إنه ولدها،ستكرث له وقتها وفكرها واهتمامها.
ستعلمه كيف يحترس من العقارب،وكيف يحمي نفسه وأمه من لدغات الزمن العاهر.
تحولت إلى لبوة دائمة التأهب لأي خطر، وإلى قنديل يقيه عثرات الطريق.
عملت دون كلل أو ملل،لم توفر جهدا كي تجنبه السؤال والحاجة،حتى من والده الذي يلزمه الشرع والقانون بتأمين كل احتياجاته وهو غير مبال.
لم تطالبه بشيء،ولم توغر صدر ولده عليهليس حبا ولا شفقةوانما من أجل صحة ولدها النفسية،حتى لم تمنعه من رؤيته.
كانت تظن بأنها حصّنته من اللدغات التي تلقت هي منها الكثير لتحميه ،كل ذلك لا يهم،المهم هوولدها أن يعي ويفهم ويقدر ما فعلته وتفعله من أجله.
سيكون هو السند والأمل.
هو من سيأخذ لها حقها من والده الأناني الخبيث ،الذي استغل حبها الجارف لمٱرب في نفسه ، هو من سيصون كرامة أمه،وهو اللسان الذي يذود عنها إن تلاقفتها الألسن والقلوب.
نعم ستنقل تلك الغرسة لتربة صالحة نظيفة، وتوليها كل الرعاية والاهتمام،وتزيل الأعشاب الضارة التي تعيق نموها، لكن ما لم تحسب له حسابا،ولم يتبادر إلى ذهنها أنه هو هذا الأب ، هو من سيكون النبات المتسلق الذي سيتلف الساق، ويمتص نسغ الوجود بوعوده الكاذبة، وأسلوبه المخادع الرخيص، وخبثه الدفين.
ها هي الأشواك تنبت بدل الورود،وأول من أدمت، أدمت قلبها.
حاولت بكل ما تملك من صبر وحكمة وإرشاد أن تنزع عن غرستها تلك الأشواك، لكن كما يقال:(العرق دساس)،وإن هذه الغرسة من تلك البذرة.
بدأت الأشواك تحاصرها،تنغرس في قلبها، وكلما نزعت واحدة تضاعفت وانغرسوا في أعمق أعماق قلبها، وقبل أن تجف شرايينه قررت أن تنقل تلك الغرسة إلى مكانها الطبيعي، فالتربة الصالحة لا تنبت بذور فاسدة، ولن تحول الزؤان إلى قمح.
وبكل ما أوتيت من قهر وألم وخذلان أغلقت الحقيبة وناولتها لولدها دون أن تلتفت.