أفعل الأشياء ذاتها كل يوم في آليةٍ تصل أحيانًا إلى حد الملل.. استيقظ مندهشًا لأنني ما زلت هنا، وكأنني تخلصت من خوفي الليلي من الموت، أقوم غاضبًا -لا تحضرني كلمةٌ أخرى غير الغضب الآن؛ ربما أبدلها لاحقًا- خاصةً إذا كان الحلم الذي خرجت منه لطيفًا، أمشي مترنحًا عبر الطرقة إلى الحمام، أغسل أسناني وأخرج، أدخل المطبخ، أغسل كوب القهوة والكنكة الصغيرة، أملأ الكوب ماءً وأضع ربع ملعقة سكر واثنتين بن، أصبُّ فوقهم الماء وأقلب، أشعل بعد ذلك النار وأضع الكنكة، مع أول رائحة أشمها من القهوة وبداية ظهور وشها تبدأ الأشياء، والناس، في القفز إلى رأسي.
هذا أبي الذي أريد كل يومٍ أن أزوره ويمنعني كابوس الذكريات المؤلمة. هذا وجهٌ، يشبهني كما يشبه أبي، يخرج منه لسانًا عريضًا وطويلاً جدًا مثل طريقٍ مرصوفةٍ، لا يعبرها إلا من فقد في طرق حياته الأمل. هذا صديقٌ، ظلَّ يمدني بالجمال والونس، في كلِّ الظروف، ورغم ذلك قسوت عليه من دون سبب وطردته من حياتي، على مضضٍ، كي أختبر الحياة من غير جماله، وها هي روحي تنتحب. وهذه نافذة تطلُّ منها امرأةٌ ذات وهجٍ، يصلني، رغم المسافة البعيدة بين نافذتَينا، مع ابتسامتها العريضة وزفرةٍ تتخلص بها من ثقل انتظار خروجي إليها، بقهوة الصباح، كما اعتدتُ منذ سكنت هنا مؤخرًا -ألاحظ الآن أن هناك دائمًا نافذةٌ، في خيالي وفي الكثير من نصوصي، هناك دائما نافذةٌ وامرأةٌ يتواصل معها البطل بالكتابة على ورقةٍ كبيرةٍ كما في “الدفتر السادس”.. كتابي الأول، وفي بعض نصوصي القصيرة المتناثرة بطرقٍ أخرى، تواصل لا غاية منه غير التواصل، بشكله المحدود هذا، بدون أملٍ في تطوره أو حاجةٍ لذلك حتى تغيبها الحياة، أو الموت، أو أغيب أنا، وكأنها نبوءةٌ، أو قدرٌ، بقيت أسطره في المنازل التي كنت أسكنها، والتي لم يكن لأيٍّ منها نافذةٌ قطّ- وهذا وطنٌ، يعيش فيَّ كما أعيش فيه اغترابي، لا يبرحاني كليهما أبدًا، ولا يبرحني الألم.
تقفز الأشياء إلى رأسي، الذي أصابه بعض الخدر، مع تكاثف رائحة القهوة فأنتبه، أجد فورانها قد زاد عما أرغب، أصبُّها في الكوب وأطفئ النار وأحملها وأخرج إلى النافذة، في خطى متزنةٍ، وما إن أطلُّ منها وأتلقى ابتسامتي الصباحية، مصاحبةً هذا الوهج، من امرأة النافذة المقابلة، أردِّد في نفسي:
– أنت لست وحيدًا يا أنا.
ثم أهمس مبتسمًا:
– صباح الخير.
فيهتزُّ رأسها بشعره البنيِّ، خفيفًا، وترفع كوب قهوتها هي أيضًا.
- صباح محوِّج
- التعليقات