مشى مُطرقًا يكاد ينفجر من الغيظ. كل الأحوال من حوله تبدلت إلى الأسوأ. تبدد الأمن ولاح شبح الجوع. أوصدت الشركات أبوابها وتخلت عن عمالها. راح يضرب في الأرض على غير هدى. يقلب بأصابعه جنيهاتٍ قليلة في جيبه لا تسمن ولا تغني من جوع. إن أكل بها لم يركب وإن ركب لم يأكل.
منذ شهر وهو يطوف على المكاتب والمؤسسات يلتمس عملًا يقيه شر الحاجة وذل السؤال. هو الجامعي النابه ومن أوائل دفعته. لكنّ مؤهله العالي أصبح بضاعة كاسدة في سوق راكدة. يتقدم للمسابقة تلو الأخرى فيجتازها بامتياز؛ فقط ليمنح الآخرين شرعية التعيين، ويُنبذ هو نبذ النواة.
ألقى نظرة حزينة إلى الحارس، القابع في بدروم محطة المترو الشهيرة، المغلقة منذ سنوات. الشابّ يُغالب النّعاس، يكاد سلاحه الثقيل يسقط من بين يديه. وقد انفرد في مكانه الذي حرُم على بقية الناس الاقتراب منه. أجفل حين طار بقربه خفاش شارد. تحسر على أيام كانت فيه ساحة هذا الميدان خلية نحل، تغصّ بالرائحين والغادين، والنازلين والطالعين، وقد افترشت بسط الباعة الجائلين الأرصفة، وعلت حناجرهم بالنداء، للدلالة على بضائعهم من كل صنف ولون. في ركن قصيٍّ من الرصيف العريض، افترشت الأرض عجوزٌ، أمامها بعض البالونات الملونة، بينما الناس عنها مُعرضون.
انفجر بالون منتفخُ فجأة، وتمزق إربًا، دويُّ الانفجار الصغير أحدث ارتباكًا كبيرًا في الميدان الهادئ، تجمهر الناس من كل حدب وصوب، حول بائعة البالونات المسكينة كالنمل المذعور، بدت العجوز كتمثال شامخ للحزن الصامت،عيناها غائمتان مثل سماء يناير، تبكيان بغير دموع، كمليونير عزيز النفس خسر للتوّ رأسماله في البورصة.
الأسى المرتسم على وجهها لم يحركْ قلب أحد، من جمهرة الفضوليين المتحلقين حولها، لبثوا مليًّا ثم انفضوا عنها، لا يلوون على شيءٍ، إلا طفلة صغيرة أفلتتْ يد والدها للحظات، وطبعتْ على خدِّها قبلة طويلة، وهي تربِّتُ على كتفها تواسيها بحنانٍ فطري. السائح الذي اقتنص المشهد الفريد بعدسته ابتاع باقي البالونات، وألقى في حجر العجوز دولارًا واحدًا، ثم باع صورته بعشرة آلاف.