هو يعلم كيف تعيش هوام الليل ومخلوقاته، وتلك التي فضلت القاع على السطح، هي قادرة على التكيف مع ما حولها بأن تخضع حواسها لتستقرئ العالم حولها، كما تلك الحواس خاضت مخاضها ، ورجت جسدك رجاً، وجعلته متمكنا من قول الشعر…
رداؤها الأزرق… عيناها بحران، هذا عذاب فرات وهذا آخر مخضب بالحناء…صبابة الصبا فيه، وشعرها الكستنائي يتناثر أمام عينيه كحورية من الجنان… وقد سال سكون الحزن طافقا يطوي معالمها، يتذكرها بمعنى الوجود …
كونها لا تصلي مثله، كونها لا تسجد لذات القبلة… كونها تجلس أمام صورة العذراء والسيد المسيح، وتضيء الشمعدان، وتتلو ما تردده مريم وإميل، وكونها لا تلقي بوشاحها الأبيض ليغطي كتفيها… لا يجعلها بعيدة عنه… هي تتعبد بسكون وخشوع وهو كذلك، هي تذوب بسكون وهو كذلك، هي تلتهم الأدعية إلى الرب وهو كذلك، هذا كله لا يجعلها إنسانا آخر في عينيه، فهي لا تختلف عنه كثيرا، إنها تصلي من أجل الرب والرب محبة الذي اختاره قلبها، ولو أنها أبصرت الكون حولها لوجدته أكبر من كونه صورة في إطار ذهبي يضيء على جنبيه شمعدانان… لن يكون الرب في قلوب غير قلوب الطهارة والعفة، مهما كانت قدسيتهم المطالبون بسلبه من الفقراء الموجوعين المحتسبين عنده…
رغم كل شيء هي خاشعة كما هو خاشع قلبه منفطر، نفسها والدموع لكليهما تفيض توسلا عله يحلها والآخرين من الظلم والقهر، عائشة ومريم وإميل جميعا أسرة واحدة تحت سقف واحد… يرفعون أيديهم إلى السماء حيث تكمن الرحمة.
كلهم يتوسلون بصوت وأنين إلا أم إياس، كانت تتوسل بصمت دفين، أم إياس التي فضلت أن تؤوي الجميع إلى بيتها ورحلت، أغمضت عينيها بسكون وبرودة وتيبس في يديها، وكأنما فارقت إياس للتو، لقد ورثوا البيت بكل ما فيه؛ بكل ذكرياته، أم إياس، وابنها الذي فقدته في الحرب الأهلية اللبنانية… قبل سنين.
أقرت بعدها أن ليس هناك أمل بأن يدفنوها في مقبرة المدينة، التي اتخمت بالقتلى من الأبرياء لقد افترشتها داعش والشبيحة والنظام والروس والأمريكان والإيرانيون واستحلت الأرض والسماء، ما أبشع أن تتكالب الكلاب إلى قصعتها على حين غفلة منك فيقع المحظور بأنك أنت هذه القصعة… تعددت الفرق والهدف واحد اختاروا مكانا واحدا ليوحدوا مآربهم فيه..
كما اختار ثلاثتهم مكانا واحدا ليجعلوه قبرا لأم إياس… رقدت تحت شجرة النارنج حتى تسقيها برائحة النارنج وتبقيها غضة، حفروا قبرها بمعول قد ركن إلى إحدى زوايا الحديقة المربعة التي تسكنها النباتات من كل صنف ولون، الخزامى… الياسمين… إكليل الجبل، وأصابع زينب ومخلب القط، وعطر الريحان يفوح في الأجواء…حفروا قبرها في الروض، وأنزلوها فيه ثلاثتهم يتلون آيات من القران والإنجيل… ما أعظم جنازتك يا أم إياس التي اجتمعت عليها الأديان مؤمنة إياك في مثواك الأخير…
لقد استطاعت عائش أن تحفر القبر بسرعة كبيرة…
أتتلمذت على حفر القبور يا عائش؟؟
يرن صوت الفأس في صدى البيت الفارغ إلا من الخوف…أعق وصيتك فأسقط نظري عليك وأنت تنبشين في المتر المحيط ببيتنا، لقد سحبته يا عائش، وكأنك تسحبين قطعة خردة بالية ورميته في الحفرة، والليل لم يكن ليفضح من تستر بوشاحه…وقد غاب ليلتها ضوء القمر…لم يكن هناك أي أثر يا عائش لأي شيء…
عندما أشرقت الشمس كنت تحتسين فنجانا من القهوة، وأنت تجلسين في برندة بيتنا الصغير والياسمين يغمس وروده البيضاء في فنجان قهوتك…كم من القبور نبشت يا عائش بدم بارد؟.
سرت إليك على مهل وقلبي منقبض لقد بدا صغيرا…
من أي شيء سأقلق؟… من صورة وجهك، من صورة يعقوب، أم من يدي المرتجفة؟؟!!
قد أجفل عما في الدنيا بأسرها لأجد من يطمئنني…عندها شعرت بي، فأدرت وجهك ليأسرني بابتسامة من الأعماق، وهرولت تحملينني يا عائش… وأنت ترددين…:ها هو البطل.
-عائش أين قبر أبي؟؟ فتبهت ابتسامتك وتنزلقين في جليد، وحزن عميق ومزيدا من الانكسار.
دُفنت ام إياس بسلام قبل أن تُدفن أجسادهم وهم أحياء…ما أن انتهوا من طقوسهم حتى حدث ما لم يكن بالحسبان، لقد احترقت المدينة من حولهم، وأجنحة الدخان تلقي بظلالها على ما تبقى من أناس…لقد غدت السماء قرمزية وقد أعتمت برمادها…
اختبئوا في البيت، وأوصدوا الأبواب، والنوافذ، ورائحة الموت تنسل إليهم من شقوق الجدران…
طائر الموت حلق فوقهم وهم يعدون الساعات…وقبر أم إياس تُرك يتيما من دون أن يكملوا وضع حفنة التراب الباقية، وبقي جزء منه شاهدا على أن هناك كائنا قد سكن في هذا المكان ولكن ما انزلق من كسف من أرضية البيت القديم جثم فوق القبر، وقد آذن له بالنسيان…