خلف السّور يجلس عبد القادر يعدّ حصيّات الطّريق..
على ترانيم نبضٍ وجلٍ من النّسيان تتربّع حليمة في جوف العمر تقَزْقِز التّفاصيل المتمرّدة..
الأطفال يتقاطرون على المدرسة كهَطْل طَلّ..
يكبر الأطفال والحصيّات بين يديه يانعة الصُّوَر تمحو عن عينيه ضبابةَ العمر..
يوشك الجرسُ على الصّهيل..
عبد القادرعلى الرّصيف يهدهد حصيّاته وحليمة فيه تهدهد خافقه..
الصّبية يتراكضون. يعبرون بجانبه. يرمقونه بنظرات مشاكسة.
يتلهّى بحصيّاته عنهم..
يمدّ أحدهم أصابعه إلى حمى الحصى، يختطف واحدة ويفرّ..
ينتفض عبد القادر مصعوقا، يلاحق اللّصّ، يتعثّر في سرابيل الوجع، يوشك يتداعى بعضا من هشّ زجاج، يتشبّث بحبل الحلم ويقفو قَرْقَعَةَ الفقد، يلج السّور، يمسك بعنق الصّبيّ ويجهش بالبكاء…
تعلو صراخات الأطفال في فناء المدرسة..
يتراكض المعلّمون والمدير خلفهم يلعن صبيانيّات الطّفولة..
يتساءلون:” مانحن بلوثة الغضب ذي فاعلون..؟”
تتقدّم عجوز تجرّ خلفها حفيدتها بخطى وئيدة. تشقّ الصّفوف. تربّت على ظهر عبد القادر بِيَدٍ ومن الأخرى تُفلت الصّغيرة وتسحب الحصيّة من كفّ الصّبيّ. تدنو من وجه عبد القادر، تهمس له، ترتخي قبضته، ينزلق الصّبيّ من حافة الاختناق ويتلاشى من المشهد كسراب…
الجميع يغرقون في أتون الحيرة..
همس بعضهم:” حكمة العمر..”
وشوش آخرون:” للجنون ترياق..”
ردّدت جنبات الخافق:” سلام أنتَ يا لفحَ الهوى…”
ترنو العجوز إلى حفيدتها وتستدنيها منها أكثر. تحضنها بشقّ والشقّ الآخر على عبد القادر حان.. تلثم خدّها، تتشمّم عطر الحيرة في عينيها، تدسّ وجهها في شعرها وهي تهمس:” رنّ الجرس.. ارتحلي إلى دروب الحلم صغيرتي..”
تمضي البنيّة خلف آخر قَطْر الأطفال نحو قاعة الدّرس. تخلو السّاحة إلّا من عجوزين يتّكئان على ركام الذّاكرة..

تجرّ حليمة عبد القادر وحصيّتَه والوجعَ خارج المدرسة.
إلى مجلسه خارج السّور يقودها..
يفترش الأرض..
تتشبّث بأهداب السّماء..
يسربلهما السّكون.
فجأة تتناهى إليها طقطقة عظام الصّمت يكسرها البوح، ترتجف لرنين الكلمات في حنجرته، تتدافع إليها زخّات الآه:” كم مضى على مارد اللّغة وهو حبيس القمقم يا صاح..؟”
تتساقط نظراتها الوهنة على صفحة وجهه المكدودة تلعق سحب الاختلاجات تذروها ريح الوجل قصيّا عن خفق اللّسان، تتلقّف روحُها كلماته قبل سمعها، تجلدها أنّاته:
-على هذا الرّصيف أرجحتنا مواعيد القدر.. وبالحصيّات رسمنا الأماني المجنّحة خلف الحُجب المرتحلة إلى المجهول.. حَمَلَتْكِ معها الأماني وتلقّفني الرّصيف يهدهدني الحصى.. والطّفل العابث على بعض بقاياك بين يديّ يجور…
-آآ………………………………………………………
-تمتطينني شتات صور.. أأبكيك أم أبكي لَهْوَ عواصف العمر بألوان طيفك أم أُبكي الطّفلة الموؤودة فيك ذات غياب..؟
-…. ماعاد في صحف البكاء متّسع لحرف جديد.. جفّت مآقيَّ واكتحلت بالجدب مُذْ رموا بي في بلاط الغياب سبيّة.. طِفلة طَفلة كنت وكان المَهْر في يد جدّي المعدَمَة سخيّا.. دع الرّصيف يا صاح واضرب في ثمالة العمر عساك بين تسبيحة وأخرى ترسم لك بين الحور مجلسا رضيّا..
رفع إليها عينين أعياهما الوِدْق..
من بين فلول ضبابهما رآها وجها بلا ذاكرة.. في عينيها تنتصب للبوح مشانقُ، ومجامرُ الحنين تنثر الوجع.
أعاد إليه البصر فرجع مثخنا مكلوما..
تأمّل حُصيّتَه المستعادة. تشمّمها. لثمها. أحكم عليها حضن راحته. لملم أسماله وانتصب واقفا على حافة التّلاشي. أمطرها آها ومضى يتمتم:
-ظفرتُ بريحك تلتحف بها الحصيّة فكفاني. عبد أنا والقادر مالكي، وفي ملكه أرجو وصالك.. أمضي إلى تخوم الصّبر فيّ وما عدتُ أَنشُد، أحليمة، حلما غير تحرّر سيوف وجعي من نصالك..
لاك سمعُها الكلمات.
انفقأت مرارة الفقد فيها من جديد.
تجرّعتها.
شهدا تجشّأتها.
قَفَتْ عيناها خطاه ثمّ أدارت الظّهر وآبت.